في الوقت الذي تخطو فيه المحكمة الجنائية الدولية عقدها الثالث، يعود شبح العدالة الانتقائية ليلقي بظلاله الثقيلة على شرعيتها ومصداقيتها. فبين سندان التوسع في ملاحقة القادة من افريقيا والشرق، ومطرقة الصمت المطبق تجاه انتهاكات شركات السلاح الغربية العملاقة، تتجسد صورة قاتمة لنظام عدالة دولي يبدو وكأنه يطبق المعايير وفقًا لجوازات سفر المتهمين وجنسياتهم، لا وفقًا لخطورة الجرائم المرتكبة.
هذا المشهد تجسد مؤخرًا في قرار المحكمة الجنائية الدولية رفض فتح تحقيق في تواطؤ شركة "Rheinmetall" الألمانية وغيرها من شركات الأسلحة الأوروبية في النزاع اليمني والذي تخلله جرائم وانتهاكات كبرى لحقوق الانسان مع أدلة دامغة، بينما تتسارع إجراءاتها لفتح تحقيقات بخصوص دول إسلامية وأفريقية، حتى في غياب أدلة ملموسة.
صفقات سلاح "رايمنتال" تمر بسلام.. الغرب فوق القانون الدولي
وفي تطور يعكس حجم الإفلات من العقاب الذي تتمتع به كبرى شركات السلاح الغربية، أعلنت شركة "راينميتال" الألمانية للصناعات الدفاعية عن مبيعات قياسية، في تزامن مرير مع انتكاسة جديدة واجهها المدنيون اليمنيون في مسعاهم لتحقيق العدالة. فبعد أكثر من 6 سنوات من التحقيقات الأولية المضنية، أكد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أنه لن يفتح تحقيقًا في المسؤولية القانونية للحكومات الأوروبية وشركات الأسلحة عن جرائم حرب يُزعم ارتكابها في اليمن.
ويأتي قرار المحكمة استجابةً لبلاغ مشترك بموجب المادة 15 من نظام روما الأساسي، قُدّم في عام 2019 من قبل تحالف واسع من منظمات حقوقية رائدة، شمل: المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، ومنظمة "مواطَنة" لحقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية، وحملة مناهضة تجارة الأسلحة، ومركز ديلاس، وشبكة السلام والنزع الإيطاليين. طالب البلاغ المحكمةَ بالتحقيق فيما إذا كانت جهات فاعلة من الشركات والحكومات الأوروبية قد ساعدت وحرضت على جرائم حرب مزعومة ارتكبها التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات في اليمن، من خلال استمرار تزويده بالأسلحة والعتاد العسكري رغم توثيق الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.
وكان بيان المنظمات الحقوقية ضد رايمنتال وشركات أخرى، والمؤلف من 350 صفحة، الأول من نوعه الذي يدعو المحكمة الجنائية الدولية إلى معالجة مسألة المساءلة عن تجارة الأسلحة. ويفصّل البيان معلومات واقعية حول 26 غارة جوية نفذها التحالف السعودي الإماراتي على مبانٍ سكنية ومدارس ومستشفيات ومتحف ومواقع تراث عالمي، وهو ما قد يرقى إلى جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي. وعلى الرغم من وجود حالات موثقة بوضوح لهجمات عشوائية وغير متناسبة، استمرت شركات الأسلحة من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا في تزويد أعضاء التحالف بالأسلحة والذخائر والدعم اللوجستي. وقد سهّل وزراء ومسؤولون حكوميون عمليات التصدير هذه بمنح تراخيص التصدير.
ولم يُقدّم مكتب المدعي العام أيّ تبرير قانوني مُحدّد لقراره بعدم فتح تحقيق أولي. ويأتي هذا على الرغم من تزايد الدعوات الموجهة للمجتمع الدولي لمحاسبة شركات الأسلحة، حيث تُسهم مبيعات الأسلحة في ارتكاب جرائم دولية. وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، ما زلنا نشهد العواقب الوخيمة للصراعات التي تُغذّيها الأسلحة المصنّعة أوروبياً.
في تعليقها اللاذع على قرار الجنائية الدولية، أعربت كبيرة المستشارين القانونيين في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان عن أسفها العميق، قائلة: "نأسف لقرار المحكمة الجنائية الدولية بعدم التحقيق في تواطؤ شركات الأسلحة الأوروبية في انتهاكات القانون الدولي الإنساني خلال النزاع في اليمن. في ظل عدم الاستقرار الجيوسياسي المستمر والنزاعات التي تغذيها تجارة الأسلحة، تضطلع المحكمة الجنائية الدولية بدور أساسي في السعي إلى محاسبة جميع أطراف النزاع، بما في ذلك الشركات." هذا التصريح يختزل مأساة العدالة الدولية، فبينما تتدفق الأدلة الدامغة على تورط شركات تصنع السلام اسمًا والموت فعلًا، تختار المحكمة أن تدير بصرها نحو اتجاهات أخرى أكثر أمانًا من الناحية السياسية.
وكانت شركة "راينميتال الألمانية" للصناعات العسكرية قد أعلنت مؤخراً عن إنتاج متسلسل لطائرات مسيّرة انقضاضية جديدة، ضمن توجه متسارع لتعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية، بعد حصول الجيش الألماني على طلبات شراء بمئات الملايين لدعم قدراته العسكرية الحديثة. وقال الرئيس التنفيذي للشركة، أرمين بابيرجر: "إن الإنتاج بدأ في موقع نويس، موضحًا أن الطائرة قادرة على التحليق لمدة تصل إلى 70 دقيقة قبل الانقضاض على الهدف."
معياران لميزان واحد.. "رايمنتال" بلا محاسبة وملفات أفريقية مفتوحة للتحقيق بلا أدلة
في سياق متصل، أكد الكاتب والباحث السياسي الدكتور بشير عبدالراضي بأن المفارقة الصارخة لا تكمن فقط في إفلات الشركات الأوروبية من العقاب، بل في سرعة الاندفاع نحو فتح تحقيقات تستهدف دولًا إسلامية وأفريقية، أحيانًا بناءً على أدلة ظرفية أو في خضم نزاعات لم تهدأ بعد. ففي عام 2023، فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا جديدًا بشأن جرائم حرب في السودان، وذلك على خلفية الأعمال القتالية التي اندلعت في 15 أبريل بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ويؤكد عدد من الخبراء أنه رغم تعقيدات المشهد السوداني وصعوبة الجزم بالمسؤوليات الجنائية الفردية في خضم حرب مستعرة، لم تتردد المحكمة في تحريك دفة التحقيق بالإضافات لتحقيقات سابقة تم فتحها منذ عقدين.
أما في ليبيا بحسب مختصين في الشأن الليبي ، فالسجل حافل بالانتقائية الممنهجة. فمنذ عام 2011، فتحت الجنائية الدولية عدة تحقيقات في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كان آخرها وأبرزها التحقيق في الانتهاكات داخل سجن معيتيقة (بين 2014-2020)، وتحديدًا قضية خالد المشري. والأهم من ذلك، أن كل هذه الملفات الليبية تخلو تمامًا من أي إشارة إلى الجرائم التي ارتكبها حلف شمال الأطلسي "الناتو" خلال تدخله العسكري في ليبيا عام 2011، والدمار الهائل الذي سببه ذلك التدخل، والذي فتح الباب أمام الفوضى والانقسام الذي تعيشه البلاد حتى اليوم. وكأن تدخل الناتو كان فعلًا منزهًا عن الخطأ، أو أن ضحاياه لا يستحقون أن تُسمع أصواتهم في لاهاي.
عدالة بلا ميزان
وبحسب خبراء حقوقيين، فإن التباين الصادم في التعامل مع الملفات الحقوقية والجرمية الدولية، يضع المحكمة الجنائية الدولية أمام أزمة وجودية حقيقية. فكيف يمكن لمحكمة تأسست لضمان عدم إفلات أحد من العقاب، أن تغض الطرف عن شركات تمارس "القتل عن بعد" عبر تزويد أطراف النزاع بالأسلحة، في الوقت الذي تسارع فيه إلى توجيه الاتهامات لدول إسلامية وأفريقية حتى قبل أن تضع الحرب أوزارها؟ هذا التساؤل لم يعد يقتصر على دوائر الحقوقيين والنشطاء، بل أصبح يتردد بقوة في أروقة الدبلوماسية العالمية، مهددًا ما تبقى من رصيد المحكمة كجهة محايدة تسعى لتحقيق العدالة للجميع، لا لقلة مختارة بعناية وفقًا لموازين القوى الدولية. إن استمرار هذه الازدواجية الصارخة لن يؤدي إلا إلى تكريس ثقافة الإفلات من العقاب للقوى الكبرى وحلفائها، ويحوّل عدالة لاهاي إلى مجرد أداة سياسية تُستخدم لترويض الخصوم، لا لإنصاف الضحايا.