أثار تقرير حديث لصحيفة "نيويورك تايمز" نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية، بعدما أشار إلى وجود تصورات داخل بعض دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة وإسرائيل حول إمكانية الدفع بشخصيات من داخل النظام الإيراني، من بينها الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، كجزء من سيناريوهات إعادة تشكيل المشهد السياسي في طهران. ووفقاً لما ورد في التقرير، فإن هذه المقاربة تقوم على فرضية مفادها أن التباينات داخل النخبة الحاكمة قد تتيح إنتاج بدائل قادرة على إحداث تحول في سلوك النظام أو اتجاهاته. كشف التقرير أن إحدى الغارات الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، والتي استهدفت منزل أحمدي نجاد في طهران، لم تكن بغرض اغتياله، بل كانت "عملية تحرير" تهدف إلى القضاء على عناصر الحرس الثوري التي كانت تفرض عليه "الإقامة الجبرية" وإطلاق سراحه ليتولى السلطة.
تعكس هذه الفرضية اتجاهاً متكرراً في التفكير الاستراتيجي الغربي يقوم على البحث عن "مدخل شخصي" للتأثير في الأنظمة السياسية المعقدة. غير أن تطبيق هذا التصور على الحالة الإيرانية يثير إشكاليات جوهرية تتعلق بطبيعة النظام نفسه، وبحدود قابلية التغيير من داخل بنيته.
فمن حيث المبدأ، يقوم النظام السياسي في إيران على توازنات مؤسسية تتجاوز موقع الرئاسة، حيث تتوزع السلطة بين مراكز متعددة، في مقدمتها مؤسسة ولاية الفقيه، ومجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، ومجلس خبراء القيادة، ومجلس الشورى .إضافة إلى الدور المحوري الذي يؤديه الحرس الثوري على المستويين الأمني والاقتصادي. وفي هذا السياق، لا يُعد الرئيس صانع القرار الأوحد، بل جزءاً من منظومة حكم مركبة تحكمها اعتبارات أيديولوجية وأمنية متداخلة.
ضمن هذا الإطار، تبدو فكرة التعويل على شخصية مثل محمود أحمدي نجاد إشكالية من زاويتين. الأولى تتعلق بسجله السياسي، إذ ارتبطت فترة حكمه بتصعيد الخطاب الأيديولوجي وتعميق التوتر مع الغرب، ما يجعله بعيداً عن صورة "الفاعل البراغماتي" القادر على إعادة توجيه السياسات الإيرانية. أما الزاوية الثانية فتتصل بطبيعة الصراعات داخل النظام، والتي رغم حدتها تجري في الغالب ضمن حدود الولاء العام لبنية النظام، ولا تعكس انقسامات تسمح بإنتاج بدائل خارج إطاره.
علاوة على ذلك، فإن التركيز على الأفراد يتجاهل أن النظام الإيراني يمثل شبكة متداخلة من المصالح المؤسسية والاقتصادية والعسكرية ما يمنحه قدرة ملحوظة على التكيف مع الضغوط الخارجية واحتواء التحديات الداخلية. وتشير تجارب سابقة إلى أن محاولات التأثير الخارجي التي تستند إلى دعم شخصيات بعينها غالباً ما تصطدم بعائق الشرعية، حيث يُنظر إلى هذه الشخصيات باعتبارها مرتبطة بأجندات خارجية، ما يحد من قدرتها على بناء قاعدة دعم داخلي فعالة.
من هذا المنظور، فإن المقاربات التي تركز على "إعادة هندسة" النظام الإيراني عبر أدوات شخصية أو تكتيكية - مثلما حصل في فنزويلا - تبدو محدودة الجدوى، إذ لا تأخذ في الاعتبار الطبيعة البنيوية للنظام وتعقيداته. فالتغيير في مثل هذه السياقات لا يرتبط فقط بتبدل القيادات، بل يتطلب تحولات أعمق في التوازنات المؤسسية وفي البيئة السياسية والاجتماعية المحيطة.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن أي استراتيجية أكثر واقعية في التعامل مع إيران تحتاج إلى الانتقال من منطق "الشخصنة" إلى فهم أوسع لديناميات النظام، بما يشمل تفاعلات مراكزه المختلفة، وطبيعة علاقته بالمجتمع، وحدود تأثير الضغوط الخارجية عليه. وفي غياب هذا الفهم، تظل الرهانات على "الرجل البديل" تعبيراً عن تبسيط مخلّ لا يعكس تعقيد الحالة الإيرانية بقدر ما يكشف عن قصور في أدوات التحليل ذاتها.