كتابات

إلى اللقاء يا مارتن

إلى اللقاء يا مارتن
محمد جميح
السبت - 13 يونيو 2026 - 05:20 صباحًا
- محمد جميح

أجمل اللحظات عندي هي تلك التي أعود فيها لذكرياتي، دفاتري القديمة، قوائم أصدقائي على التلفون، عناوينهم على البريد الإلكتروني، ثم أتصفح الرسائل التي انسربت حولها أجنحة السنين.

مرة، كنت أتصفح إيميلاتي، فوقعت عيني على اسم مارتن أوكين.

أووووه مارتن، أيها الصديق القديم.

سنوات طويتْ ولم أسمع عنه. ترى هل لا يزال حياً.

البروفيسور مارتن أوكين هو أستاذ دراسات الكتاب المقدس، وهو الممتحن الداخلي الذي انتدبته جامعة ويلز / ترينيتي سينت ديفيد التي منحتني الدكتوراه في ترجمة النصوص المكثفة (الدينية والأدبية)، انتدبته الجامعة لمناقشة أطروحتي قبل حوالي عشرين عاما.

لم يكن مجرد ممتحن خارجي، بل كان صديقاً رائعاً، وكان يقول أنا أحب العرب والإسلام، وفي حياة أخرى ربما كنت مسلما، يقولها ويضحك، وهو المسيحي المختص بدراسة العهدين: القديم والجديد.

ذكريات كثيرة طافت كسحاب خفيف في مخيلتي، عندما لمحت عنوانه الإلكتروني.

بعد حوالي سبعة عشر عاماً من انقطاع التواصل تهيبت أن أرسل له، خشية ألا يأتي الرد، ثم تجرأت وأرسلت:

مرحباً مارتن، كيف حالك؟ أنا محمد جميح، أحد طلبتكم في برنامج الدكتوراه، قبل حوالي عقدين، هل لا زلت تذكرني. آمل أن أسمع منك.

وفجأة، في اليوم التالي يأتيني رده المبهج: مرحباً محمد، نعم أذكرك جيداً، كيف حالك؟ أين تعمل الآن؟ أنا انتقلت إلى برمنجهام، بالقرب من ابنتي، وقد تقاعدت من العمل في الجامعة قبل سنوات، آمل أن أسمع عنك، وألقاك.

زوّدته بتلفوني، وأخبرته بانتقالي للعمل في باريس، وقال لي إنه يزورها كل عام.

ظل التواصل شهوراً بالإيميل والتلفون، إلى أن جاء إلى باريس لإلقاء بعض المحاضرات في المركز الثقافي الآيرلندي في المدينة.

وبعد سبعة عشر عاما من الانقطاع التقينا في مكتبي في مبنى بعثات اليونسكو.

تحدث كثيراً، عن أيام الجامعة، والأنشطة والأبحاث والزملاء.

هو يتمتع بذاكرة حادة، ولازال يتذكر الكثير من المواقف والأسماء والأماكن والمناسبات ولازال يحب المشي رغم تقاطر عجلات الزمان.

وبالطبع سأل عن اليمن وأوضاعه، وتبادلنا الحديث عن مفارقات ماضي هذا البلد وحاضره، وكان حديثاً ذا شجون.

مارتن شغوف بالتذكر والسؤال، بعد سرده الكثير من الذكريات، سأل الكثير من الأسئلة، وهو ذكي الفؤاد في ذكرياته وأسئلته.

قلت له إن الأكل اليمني لا يجارى، لكنه شكر الدعوة، واعتذر عنها بلباقة لضيق وقته.

وتواعدنا على لقاء آخر في برمنجهام، في أحد مطاعم كوفنتري رود.

إلى اللقاء يا مارتن.

إلى اللقاء أيها الأيرلندي النبيل، والأكاديمي القدير، والصديق العزيز.