في قراءة سياسية عميقة للتحولات التي تعصف بالداخل اليمني؛ حذر الكاتب والباحث السياسي البارز الدكتور علي العسلي، من خطورة الانزلاق نحو تشظي المؤسسات الوطنية، مؤكداً أن احترام التاريخ وتضحيات القيادات العسكرية السابقة لا يبرر إطلاقاً إعادة إنتاج هويات سياسية وجيوش تعود لمرحلة ما قبل الدولة اليمنية الحالية.
وفي مقال تحليلي معمق تحت عنوان "حين يصبح رجل الدولة أسيرَ ما قبل الدولة"، وضع العسلي يده على الجرح النازف في جسد الشرعية اليمنية. وأوضح أن الاحتفاء بذكرى تأسيس "الجيش الجنوبي" أو استذكار أمجاده ليس عيباً في حد ذاته، لكن المفارقة الصارخة تتجلى حين تصدر تصريحات من مسؤول رفيع في "مجلس القيادة الرئاسي" –الذي يفترض به قيادة معركة استعادة الدولة– تتعهد بمواصلة بناء وتطوير "القوات المسلحة الجنوبية".
وتساءل الكاتب بشفافية: هل نحن أمام إحياء لذاكرة تاريخية، أم أمام مشروع ممنهج لإنتاج مؤسسة عسكرية بهوية سياسية شطرية على حساب المشروع الوطني الجامع؟
وأشار العسلي إلى المفارقة العجيبة التي تعيشها الساحة اليمنية اليوم؛ ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التصريحات حول قرب "الحسم العسكري" لإنهاء الانقلاب الحوثي، تبرز تساؤلات جوهرية حول ماهية الدولة التي يجري الاستعداد لاستعادتها. فكيف يمكن الحديث عن الجاهزية والتوحد في ظل احتشاد معسكر الشرعية بمشاريع سياسية وعسكرية متعددة ومتباينة؟
وتطرق الكاتب في هذا السياق إلى الخطاب الأخير لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزُبيدي، بمناسبة الذكرى الـ55 لتأسيس الجيش الجنوبي. حيث لفت العسلي إلى أن تقديم "القوات المسلحة الجنوبية الحديثة" كقوة مستقلة معنية بحماية حدود الجنوب والانتشار في حضرموت والمهرة، يتجاوز مجرد الاحتفاء بالتاريخ، ليؤسس لمشروع سياسي وعسكري ذي هوية جغرافية مغايرة تماماً لمشروع الدولة الاتحادية.
ولم يغفل المقال التطورات المتسارعة في شرق البلاد، حيث عرج العسلي على مخرجات المؤتمر التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى. واعتبر أن إعلان حضرموت "قضية سياسية أصيلة ومشروعاً سياسياً مستقلاً"، والمطالبة بتمثيل تفاوضي خاص وتأسيس مكاتب خارجية؛ هي خطوات تزيد من ضبابية المشهد. ورغم تأكيد هذه المكونات على احترام المركز القانوني للدولة، إلا أنها تطرح علامات استفهام كبرى حول المسار الذي تتجه إليه مؤسسات الشرعية المثقلة بالتعددية.
وفي رسالة واضحة لصناع القرار، أكد العسلي أن المطالبة بالحقوق والرؤى السياسية حق مشروع لكل المكونات، لكن الخط الأحمر يكمن في تحويل هذه المطالب إلى "مرجعيات موازية" تبتلع مؤسسات الدولة. مشدداً على أن مجلس القيادة الرئاسي يجب أن يكون البوتقة التي تنصهر فيها إرادة الدولة ومرجعيتها العليا، وليس مجرد "منصة استعراض" لمشاريع المكونات المختلفة.
وخلص العسلي في تحليله إلى حقيقة جوهرية: إن المعركة مع الحوثيين قامت أساساً لرفض فكرة "السلطة الموازية"، ومن غير المنطقي مواجهة هذا الانقلاب بخلق مراكز قوى وقرارات مشتتة داخل المعسكر الجمهوري. فالدولة الحقيقية تعني بالضرورة: جيشاً وطنياً واحداً، مرجعية دستورية صارمة، وقراراً عسكرياً موحداً يخضع للقانون.
واختتم الباحث السياسي مقاله بتساؤل عميق يجب أن يسبق أي حلقة قادمة من الصراع: "أي يمن سيكون قائماً بعد انتهاء الحرب؟". مؤكداً أن اليمنيين اليوم ليسوا بحاجة لاستعادة "دولتين" سابقتين في الشمال والجنوب، بل بحاجة ماسة لاستعادة "الدولة" بمفهومها الشامل؛ فالقضية أبعد من أن تكون صراعاً على حضرموت أو الجنوب أو الشمال، إنها ببساطة: معركة وجود من أجل الدولة.