في حدث ثقافي وتوثيقي استثنائي يعيد إحياء الذاكرة اليمنية العريقة، شهدت محافظة حضرموت اليوم خطوة تاريخية تمثلت في تسلّم الطبعة الأولى من المجلد الأول لـ "موسوعة قضاة حضرموت". هذا الإنجاز العلمي الضخم لا يكتفي بسرد الماضي، بل يفتح نافذة واسعة تطل على ثمانية قرون من تاريخ القضاء والعدالة في المنطقة.
وجرت مراسم التسليم بحضور القاضي طه عمر محمد الهدار، رئيس محكمة استئناف حضرموت، ونخبة من القضاة والشخصيات البارزة. ويأتي هذا الحدث إيذاناً بانطلاق المرحلة النهائية لمراجعة المجلدين الثاني والثالث، والتي تهدف إلى استكمال توثيق وتحرير التراجم الخاصة بالقضاة المعاصرين الذين وضعوا بصماتهم في مسيرة العدالة خلال العقود الأخيرة.
أرقام وحقائق مذهلة.. ماذا تضم الموسوعة؟
لا تُعد هذه الموسوعة مجرد كتاب تقليدي، بل هي مشروع عمر متكامل؛ حيث تتكون في صورتها النهائية من نحو 6000 صفحة من القطع الكبير، موزعة بشمولية على أربعة مجلدات ضخمة. وتتضمن الموسوعة 26 فصلاً يسرد قصة تطور القضاء الحضرمي عبر العصور، بالإضافة إلى توثيق دقيق لنحو 600 ترجمة وسيرة ذاتية لقضاة تعاقبوا على منصات الحكم في حضرموت طوال 800 عام.
اللافت في هذا العمل الاستثنائي أنه يتجاوز السرد الجاف للأسماء؛ فالموسوعة تقدم القاضي كجزء حي من تاريخ المؤسسة نفسها. وتغوص في أعماق مسيرته، متتبعة المحاكم والنيابات التي عمل بها، وأبرز أحكامه، مدعمةً ذلك بوثائق، وقرارات، وشهادات، ومخطوطات نادرة تم جمعها بصعوبة بالغة.
رحلة عبر الزمن.. من القرن السادس الهجري إلى العصر الحديث
يبدأ السفر التاريخي للموسوعة من أروقة القرن السادس الهجري، مسلطاً الضوء على شخصيات قادت دفة العدالة آنذاك، أبرزهم قاضي شبام العلامة أبو عبدالله محمد بن إبراهيم باعيسى (المتوفى عام 553 هـ)، وقاضي الشحر العلامة مسعود بن سعد باشكيل الذي تولى القضاء قرابة عام 650 هـ. وتستمر الصفحات في طي القرون المتعاقبة وصولاً إلى أروقة المحاكم المعاصرة.
وقد واجه فريق العمل تحديات جسيمة في توثيق الحقب القديمة، نظراً لتباعد الزمن وشح المصادر. وهو ما دفعهم للتنقيب في بطون المخطوطات القديمة، والبحث في الأقبية عن الوثائق القضائية المنسية، لجمع القرائن المتناثرة ورسم صورة دقيقة لملامح القضاء الحضرمي القديم.
ملاحق ملونة ونادرة تصدر لأول مرة
وما يمنح هذا الإنجاز قيمته الفريدة، هو الملاحق الوثائقية المصورة والملونة التي تُنشر لأول مرة. حيث تتضمن نماذج مبهرة من المخطوطات، والأحكام التاريخية، والسجلات، ونماذج لأختام المحاكم في عصور غابرة، وتوقيعات القضاة، إلى جانب صور شخصية نادرة لأشهر قضاة القرون المتأخرة.
ويؤكد مؤلفا الموسوعة، الدكتور أحمد صالح بن إسحاق (أستاذ العلوم الإنسانية بجامعة حضرموت)، والأستاذ أحمد كرامة سالم البحسني (مدير محكمة الشحر)، أن الهدف الأسمى ليس مجرد الأرشفة، بل بناء "ذاكرة حية" للقضاء الحضرمي، لتكون مرجعاً أصيلاً للباحثين، والمؤرخين، وطلاب القانون الأجيال القادمة.
دعوة للقضاة المعاصرين وموعد الإطلاق النهائي
ووجه المؤلفان دعوة مفتوحة للقضاة المعاصرين لتقديم ما لديهم من وثائق وصور ومحطات بارزة في مسيرتهم لاستكمال المجلدين المتبقين، مؤكدين أن تجربة قاضي اليوم هي وثيقة تاريخية ثمينة للغد.
ومن المرتقب، بإذن الله، أن تبصر الطبعة النهائية والكاملة للموسوعة النور قبل نهاية عام 2026م، حيث ستكون متاحة للإعارة المجانية والاطلاع في كبرى المكتبات العامة والجامعية اليمنية والعربية.
بإنجاز المجلد الأول، تكون حضرموت قد اجتازت العقبة الأكبر نحو توثيق ذاكرة لا ينبغي أن تضيع؛ ثمانية قرون من العدالة، جُمعت في عمل واحد ليروي للعالم قصة مؤسسة قضائية عريقة لم تتوقف يوماً عن النبض.