الإنسانية المزيفة: حين يكرم الجلاد ويهان الضحية

للمرة الألف ومع كل أسف يتكرر السؤال الذي لم يعد يحتمل الغموض ما هو معيار التضامن مع مليشيات الحوثي الإرهابية؟ أي منطق يطلب منا أن نتعامل ببرود أو حتى أن نكبت مشاعرنا تجاه عصابة ارتكبت أفظع الجرائم بحق الإنسانية وسفكت دماء الأبرياء واعتدت على الجمهورية ونهشت التراب الوطني بلا رادع ولا وازع؟
المؤلم أن أصوات لا تزال تتشدق بالقيم لكنها في حقيقتها لا تحمل سوى زيف يخفي في داخله انحياز إلى القاتل أصوات تحاول أن تكسو وجه الإرهابي بملامح إنسانية زائفة وتدعونا للتعاطف مع أشباح لا يعرفون سوى الغدر ولا يملكون في رصيدهم سوى الخراب.
ذات النماذج التي عرفناها عبر مسار طويل زميل كان مخبر في جهاز القمع ضد زملائه وصحفي تربى في حوزات مشهد وقم وسياسي أو ناشط صاغه النظام الإيراني بمهارة في دهاليزه المظلمة هؤلاء لم يكتفوا بالارتماء في أحضان المشروع الفارسي الصفوي الإيراني وتجولوا في أروقة المؤتمرات الدولية ووقفوا في المفاوضات الأممية ليجعلوا من الارهابي عبد الملك الحوثي خليفة من خلفاء الله ولسانا يتحدث نيابة عن السماء أي سقوط أخلاقي وسياسي أكبر من ذلك؟
والأخطر من هؤلاء أنفسهم هي المنصات والشخصيات التي تتسابق اليوم لتسويق التضامن معهم بحجة القيم الإنسانية وكأننا أمام مشهد عبثي لا يعرف معايير ثابتة فالذين يدعون الانتساب للسياسة أو الإعلام أو الأدب ويتباهون بجوائز نوبل للسلام لا يترددون في إعادة تعريف الأخلاق وفق لمكاسبهم الخاصة أو حساباتهم الضيقة فمعيارهم ليس الضحية ولا العدالة وانما مقدار ما يحفظ لهم مكانة في ناد دولي أو صداقة عابرة.
المتباكيون على أطلال الهالكين من قيادات المليشيات الحوثية الارهابية سواء سقطوا في غارات أو تصفيات داخلية هم أنفسهم الذين لن يجدوا حرج غدا في أن يضعوا الورود على باب كهف مران ليصنعوا من جثمان الارهابي عبدالملك الحوثي مزار متجاهلين أنه مجرم سفك دماء اليمنيين وزرع الألغام في الأرض والعقول وترك اليمن جرحا مفتوحا.
هؤلاء المتباكيون لا يرون في آلاف القتلى والمشردين أي مساحة للحزن لكنهم يستنفرون عندما يسقط واحد من أمراء الإرهاب ولا يتذكرون الجريمة إلا عندما يكون القاتل هو الضحية ويتحول المشهد برمته إلى تواطؤ أخلاقي وسياسي وإعلامي يمنح المليشيات الارهابية الحوثبة ما عجزت عن تحقيقه بالسلاح شرعية زائفة وتعاطف مصطنع.
فالسؤال الحقيقي ليس لماذا يشمت البعض في سقوط قيادات المليشيات الحوثية؟ ولكن بأي حق يطلب من الضحية أن يتضامن مع جلاده؟ بأي معيار يريدون من اليمني الذي فقد بيته أو ابنه أو أرضه أن يتعامل بحسن نية مع عصابة لا ترى فيه إلا مشروع للقتل والاستغلال.
مازال البعض يلوح بشعارات السلام والإنسانية لكنه في جوهره يمارس أبشع أشكال التزييف فالسلام الحقيقي يبدأ من إدانة القاتل لا من تلميع صورته والإنسانية الحقة تقف إلى جانب الضحايا لا إلى جانب العصابات والمليشيات الارهابية .
وكل محاولة لتجميل وجه مليشيات الحوثي الارهابية أو تسويق صورة إنسانية لها ليست سوى خيانة صريحة للضحايا وطعنة في ضمير اليمنيين وتواطؤ مع مشروع لا يعرف سوى القتل والارهاب والتنكيل بأبناء اليمن.