الغدير .. حين يُختطف الدين لخدمة السلالة !
لأول مرة في التاريخ الإسلامي، يُشرّع الاحتفال بما يُسمى "عيد الغدير" في بغداد، على يد أحمد بن بويه الديلمي الملقب بـ"معز الدولة" سنة ٣٥٢ هجرية .
قبل ذلك التاريخ، لم يُعرف ولم يُسجل أي أثرٍ لهذا الاحتفال، لا في صحيح السنة ولا في سيرة السلف ، وتكرر المشهد لاحقًا في اليمن، حين احتفل به أحمد بن الحسن بن القاسم الملقب بـ"المهدي" عام ١٠٧٣ هجرية، إذ سار في موكبٍ حاشد إلى "حبور" حيثما كان الإمام المتوكل إسماعيل بن القاسم، الذي شجّع ابن أخيه على هذه البدعة التي لم تألفها بلاد اليمن من قبل.
وهكذا، يتأكد أن "الغدير" احتفالٌ سياسي الطابع، سلالي المنشأ، دخيل الجوهر . والأدهى من ذلك أن دعاة الإمامة، بمختلف فرقهم الشيعية؛ الاثني عشرية، والسبعية الواقفية، والزيدية، يربطون الولاية بالقرابة والنسب، لا بالكفاءة والأمانة والتقوى ، وفي هذا تعريضٌ بمقام النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن رسالته السماوية كانت مشروعًا دنيويًا عائليًا غايته عترته وذريته وعشيرته، لا رسالة هداية للعالمين .
أما الاعتداد بحديث "من كنت مولاه فعلي مولاه" فلا يحتمل دلالة على الإمامة أو الحُكم، إذ لفظ "المولى" في لغة العرب يحمل وجوهًا شتى؛ المحبة، والنصرة، والإخلاص .
وهذا المعنى يتسق مع قوله تعالى: "وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" (فصلت)، وقوله: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (التوبة). فالولاية هنا ولاية دين ومحبة، لا ولاية ملك وسلطان .
لقد أقدم المذهب الزيدي السلالي على أبشع وأنكر جريمة في التاريخ الإسلامي، إذ قام فقهه على تحريف خطير منتهكٍ لأسس وقواعد بنيان دين الإسلام الذي أزال الفوارق الطبقية والإثنية واللغوية بين كافة البشر، فلا تمايز هنا ولا تفضيل لأحد على أحد بغير التقوى والورع والصلاح .
تأملوا جيداً كيف تم تحريف آية الخُمس؟ رغم أن الآية صريحة بتقسيم الخُمس على ستة مصارف، أو خمسة على قول آخر: "لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل".
لكن المذهب الزيدي، وبكل عسف وفجاجة، صادر حق هذه الفئات في الخُمس، إذ اختزل الأمر كله بجعل سهم الله ورسوله لبيت المال، وبوقاحة اعتبر بقية الأسهم للهاشميين وحدهم دون سواهم .
وبذلك أضحى اليتامى هم أيتام بني هاشم، والمساكين هم مساكين بني هاشم، وأبناء السبيل هم أبناء سبيل بني هاشم. وبهذه الجريمة الفقهية المكشوفة، صار الخُمس كله لآل العترة الهاشمية، وعلى هذه القاعدة الفقهية المختلة سادوا وامتلكوا وورثوا باطلًا وتدليسًا على بسطاء وجهلاء المسلمين، وطبعًا ، باسم الله والرسول والدين، في مشهدٍ وُصف بأنه أضخم استيلاء منظم على أموال المسلمين في التاريخ .
أما فقهاء الحنفية فقالوا إن الخُمس يُصرف في مصالح المسلمين جميعًا ؛ فيُقسم على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل من كافة الأمة. وقال فقهاء المالكية يوضع في بيت مال المسلمين لينتفع به كل الناس .
لهذا، فإن دعاة الولاية والخُمس متحاملون على الخلفاء الراشدين، وإذا عُرف السبب بُطل العجب، فلأن الخلفاء لم ينقل عنهم أنهم أعطوا أحدًا خُمسًا ولا خُمس خُمس، وفق المعيار السلالي الباطل، فلقد تعاملوا مع المال على أنه مال أمة ودولة وخلافة مسؤولة عن كل رعاياها، لا غنيمة عشيرة ولا فخذ ولا عترة مصطفاة مميزة.
إن قصة "الغدير" المحتفى به سنويًا ظلمًا وبغيًا على الإسلام والمسلمين، ليست سوى خرافة زائفة لا يستسيغها عقل ولا منطق، كما أن ادعاء أصحابها لا سند له أو دليل من قرآن أو سنة نبوية أو تجربة أو تاريخ، وبرهاننا هنا القرون الأربعة الأولى من التاريخ الهجري الإسلامي، فلم يأت بها أحد قبل أحمد بن بويه الديلمي في بغداد .
أما في اليمن، فأول من ابتدع عيد الغدير هو أحمد بن الحسن بن القاسم الملقب بـ"المهدي" بعد مضي ألف عام، وتحديداً عام ١٠٧٣ هجرية .
وسيكتب التاريخ أن الجماعة الحوثية أعادت إحياء هذه البدعة الضالة الخرقاء في حقبة الألفية الثالثة للميلاد .
مأساة اليمن الحقيقية لا تكمن فقط في فقر موارده أو تدخلات الخارج ، وإنما في تحويل الدين إلى غنيمة فئوية ، تُبرر بها السلالة سلطانها، وتُمرر بها حقها المزعوم في القيادة والحكم والمال .
بهذه العقلية الإقطاعية المقدسة، تحول المجتمع إلى طبقات ؛ سادة يُعطون، ورعية تُمنع ، إنها إعادة إنتاج للجاهلية بثوب الإسلام ، حيث البيت النبوي ليس منارة هداية، بل أسرة حاكمة بالدم، لا بالاختيار .
حديث الغدير المزعوم بالخلافة لعلي من بعده ، إنما يخالف نصوصًا صريحة وواضحة في الدين ، كما ويسيء للرسول وللإمام علي ذاته ، فابسط سؤال يبدر هنا : كيف صمت الإمام علي وكيف قبل بإمامة ابي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وكيف له مصاهرتهم وتسمية ابنائه باسمائهم ؟.
إن أخطر ما يواجه رسالة الإسلام ليس عداء أعدائه، بل تحريف المنتسبين إليه؛ أولئك الذين يلبسون العصبية ثوب القداسة، ويُقحمون التفسيرات الخاطئة للنص القرآني أو الحديث النبوي لغرض سيطرة السلالة .
إن الإمام عليًا ، كرم الله وجهه ورضي عنه، عاش ومات لا يرى لنفسه فضيلة إلا بالتقوى، ولا سلطان إلا بالعدل، ولا ميراث إلا المسؤولية . فكيف تجرأوا على أن يجعلوه حجةً لباطلهم، ومبررًا لامتيازاتهم، وغطاءً لاستغلالهم العباد والبلاد؟ .
ليتهم حين نصبوه إمامًا بالباطل، ائتموا بسيرته في العدل والزهد وإنكار الذات ، لكنهم أخذوا الاسم وتركوا المعنى، ورفعوا الشعار ومزقوا الجوهر .
ختامًا .. إن تحرير الدين من أسر السلالة ليس ترفًا فقهيًا ، وإنما هو استرداد لروح الإسلام الحقة؛ روح المساواة، والكفاءة، والتقوى، حيث لا فضل لعربي على عجمي، ولا لقرشي على حبشي، إلا بالتقوى والعمل الصالح .
الأمم القوية لم تصنع مجدها وازدهارها إلا على المؤسسات لا الأنساب، وعلى العدالة لا القرابة، وعلى الشراكة لا الوصاية؟ هذا هو الدرس الذي ضاع في زحام القداسة المزيفة، وهذه هي الحقيقة التي ينبغي كتابتها دون خوف أو مجاملة .
