جميح يروي ذكرياته مع الرئيس هادي وكيف رد الأخير على حكاية ‘‘عمران عادت إلى حضن الدولة’’ وما قاله عن ‘‘صالح’’
استعرض سفير اليمن لدى اليونيسكو الدكتور محمد جميح، في مقال توثيقي له، تفاصيل ذكرياته وحواراته الصحفية التي أجراها مع الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي (الذي تولى السلطة بين عامي 2012 و2022). وسلّط جميح الضوء على كواليس اللقاءات التي جمعته بهادي في العاصمتين البريطانية لندن والسعودية الرياض، كاشفاً عن مواقف الرئيس الراحل حيال سقوط صنعاء، وموقفه من كتابات جميح الناقدة له، ورؤيته لـ"الحق الإلهي" الحوثي والأطماع الإيرانية في المنطقة.
وتناول جميح بداية علاقته بالرئيس هادي عقب صعوده إلى السلطة، حيث أجرى أول حوار مع هادي عقب انتخابه رئيساً توافقياً في 21 فبراير 2012، ونُشر في جريدة "الشرق الأوسط" اللندنية.
وأشار إلى أنه في سبتمبر 2012، التقى بهادي في لندن أثناء توجهه إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وجرى اللقاء في أجواء ممطرة بحضور وزير الخارجية آنذاك الدكتور أبوبكر القربي، والسفير عبدالله الرضي.
ورداً على تساؤل جميح حول متى ستصل اليمن إلى الاستقرار الأمني المشهود في بريطانيا، شبّه الرئيس هادي اليمن حينها بـ "سيارة تغوص في بحر من الرمال، ينبغي أن يتحلى سائقها بقدر من البصيرة لكي يخرجها من هذا البحر"، مستعرضاً تفاصيل الحروب اليمنية التي يجب أن تتوقف.
ولفت جميح إلى أن علاقته بالرئيس هادي تغيرت بعد اجتياح الحوثيين العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، ما دفعه لمهاجمة هادي بشدة وتحميله المسؤولية الرئيسية، قبل أن تعود اللقاءات مجدداً بناءً على إلحاح من رئيسة تحرير صحيفة "القدس العربي". ووافق هادي -حينها- على طلب اللقاء رغم هجوم جميح السابق عليه. وعندما برر جميح كتاباته الناقدة بأنها ناتجة عن حرقة على البلاد، رد هادي بعفوية: "أنتم (الكُتاب) تنظرون من هذه (وضم إصبعه السبابة والإبهام)، ولكنني أنظر من هذه (ورسم دائرة واسعة في الهواء بكلتا يديه)".
وأشار جميح إلى أن هادي أبهره بقدرته الواسعة على سرد الذكريات عن الرؤساء السابقين (علي ناصر، وسالم ربيع، وعبدالفتاح إسماعيل، وعلي عبدالله صالح) والسوفييت والأمريكيين. وعندما سأله جميح عن سبب عدم تدوين مذكراته، أجاب هادي: "إذا قلت الحقيقة، فسيتضرر بعض من لا يزالون على قيد الحياة، ولا يليق أن أقول غير الحقيقة. المذكرات ليس هذا وقتها، لأني أريد أن أغلق ملفات الحاضر، لا أن أفتح ملفات الماضي، أنا أريد يمناً جديداً".
وفي حوار آخر جرى في سبتمبر 2017، فصّل هادي طبيعة الخلاف السياسي والعقائدي مع جماعة الحوثي.. مؤكدًا أن المشكلة مع الحوثي تكمن في اعتقاده بأنه يملك أمراً مكلّفاً به من الله للحكم، وأنه "مقدس"، معقباً بالقول: "كيف تتفاهم سياسياً مع رجل يرى أنه مكلف من الله؟ نحن نرى أننا كلنا عيال تسعة من المهرة إلى صعدة، ولا أحد أفضل من أحد".
وأكد هادي امتثال الحوثيين الكامل لإيران. واستشهد بحديث سابق له مع العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز عام 2012، حذر فيه من أن إيران تريد الحرب في اليمن للسيطرة على شيئين: الأول جعل اليمن ممراً لزعزعة أمن السعودية والسيطرة على مكة والمدينة، والثاني السيطرة على مضيق باب المندب لتهديد الملاحة الدولية كبديل يغنيها عن السلاح النووي.
وواجه جميح الرئيس الراحل بالاتهامات المستمرة له بتحمل مسؤولية سقوط العاصمة بيد الحوثيين والمكايدات السياسية التي أوصلتهم إلى عدن في 2015.. بينما نفى هادي سيطرته الفعلية حينها على الجيش، أو البنك المركزي، أو الوجاهات القبلية التي فتحت الطريق للحوثيين.
سر مقولة "عمران عادت لحضن الدولة"
وبرر هادي زيارته الشهيرة لعمران وإطلاق تلك المقولة بأنها كانت محاولة منه لطمأنة المواطنين بأن الحرب ستنتهي، وتشجيعاً للحوثيين على الالتزام بمخرجات الحوار الوطني التي وقعوا عليها.
وأكد هادي إيمانه التام بالدولة الاتحادية كحل وحيد ومخرج لليمنيين من دورات الحروب والانقلابات المستمرة منذ أكثر من 50 عاماً، محذراً من أن عدم تطبيقها سيبقي البلاد في حالة احتراب قد تمتد لخمسين سنة قادمة.
وعندما سأله جميح مازحاً عن إمكانية توريث السلطة لنجله جلال، رد هادي ضاحكاً: "أنا أؤمن أن الذين يسعون لتوريث السلطة لأبنائهم يخالفون إرادة الله الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء"، مؤكداً أن غايته الأخيرة كانت الإشراف على انتخابات حرة ونزيهة يسلم فيها السلطة للشعب ثم يستريح من عناء السياسة.
