المشهد اليمني

يوم الغدير بين التحريف والتوظيف

الخميس 4 يونيو 2026 12:08 مـ 19 ذو الحجة 1447 هـ
يوم الغدير بين التحريف والتوظيف



يقوم الحوثيون في كل عام بإحياء مناسبة يوم الغدير في 18 ذي الحجة تحت مسمى (يوم الغدير) أو (يوم الولاية) بغرض الوصول إلى صياغة سردية تاريخية لتزييف الوعي وتحريف الكلم عن مواضعه ويكرسون لدى أتباعهم أحقية الإمامة والولاية لعلي رضي الله عنه ولذريته وسلالته بناء على أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال يوم غدير خم بعد عودته من الحج ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ولتوضيح ذلك :-

أولاً :- من ناحية الرواية (سند الحديث )

حديث ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) من ناحية الرواية ليس في كتب الصحاح لكن رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما وقد اختلف المحدثون في الحكم عليه بين التضعيف والتصحيح يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية : (وأما قوله: مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، فليس هو في الصحاح، لكن هو مما رواه العلماء، وتنازع الناس في صحته؛ فنُقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طعنوا فيه... وأما الزيادة وهي قوله: اللهم والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه... فلا ريب أنه كذب).

ثانياً: الدراية ( التفسير )

وعلى التسليم بصحة الحديث فليس فيه ما يدل على تحريف أهل الغلو من الحوثة وغيرهم للتوصل إلى تقديم علي رضي الله عنه على بقية الصحابة أو إلى الطعن في الصحابة بأنهم سلبوه حقاً له ، وغاية ما يدل عليه معنى الحديث - إن صح - من كنت أتولاه فعلي يتولاه ،من الولي ضد العدو وقيل من يتولاني فعلي يتولاه ، ولفظة المولى في لغة العرب من الألفاظ المشتركة التي تحمل دلالات متعددة ومتقابلة (كالرب، والسيد، والعبد والناصر، والمحب، والحليف، والمعتق) والضابط في تعيين المعنى هو السياق وحمل اللفظ هنا على معنى الحاكم السياسي أو ولي الأمر المختص بالسلطة يعد تعسفاً في التفسير لأن الأمة في حياة النبي صلى عليه وسلم لم يكن لها إلا حاكم واحد، ومحال شرعاً وعقلاً تفويض السلطة العليا في وقت واحد ليكون المعنى أنا أحكم وعلي يحكم أو أنا ولي أمر وعلي ولي أمر .
لذا قرر المحققون من شراح الحديث أن الولاية هنا تعني المحبة، والولاء للاسلام والحديث لم يأت لتأسيس نظام الحكم وإنما جاء لمعالجة جفاء طارئ وجده بعض الجند في نفوسهم نحو علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأسباب تتعلق بالغنائم وإبل الصدقة وغير ذلك - ليس هذا موضع ذكرها - فكانت كلمته تأكيداً على مكانة علي رضي الله لدفع الشقاق ولم يكن ذلك لتعيين الخليفة ولو كان ذلك مراداً لكان يوم عرفة أو النحر في حجة الوداع أمام حشود الحجيج هو المكان المناسب للبلاغ لكن اختيار غدير خم وهو موقع بين مكة والمدينة بعد تفرق الحجيج وانصرافهم إلى بلدانهم يؤكد أن الكلمة موجهة لمعالجة الأزمة المتعلقة ببعض الجند وسد ذرائع الفتنة الطارئة.
ثم إن الشهادة التاريخية والممارسة العملية لعلي رضي الله عنه وهو من أعلم الناس بمقاصد النبي صلى الله عليه وسلم تدحض كل تحريف وتنفي مزاعم الوصايات فقد بايع الخلفاء الراشدين الثلاثة طوعاً، وجاهد وعمل تحت رايتهم ولم يورث الحكم في ذريته وعندما حضرت وفاته رفض أن يستخلف من بعده أو يوصي لابنه الحسن، تاركاً الأمر شورى بين المسلمين، مما يؤكد إيمانه بأن أمر الولاية حق للأمة وليس حقاً سلالياً موصى به كما يزعم المتخرصون .

ثالثا :- التوظيف العقائدي والسياسي .

يقوم الحوثيون بتوظيف المناسبة عقائدياً وسياسياً لنقل مسألة الحكم من مبدأ الشورى في الإسلام إلى إختصاص الحكم - كحق آلهي - في مشروعهم السلالي ولترسيخ الإستبداد والفرز الطبقي وتأسيس حصر السلطة والثروة في عرقيتهم ضاربين عرض الحائط مبدأ المواطنة المتساوية، ساعين إلى سلخ المجتمع اليمني عن حقوقه وهويته اليمنية الأصيلة، فضلاً عن تحويل مناسبة يوم الغدير إلى موسم للجباية والابتزاز الاقتصادي وأكل أموال الناس بالباطل تحت غطاء ديني وطائفي .
وخلاصة الأمر :-
إن بيان بطلان هذه السردية لايعد ترفاً فكرياً بل ضرورة دينية ووطنية لحماية المبادئ العامة المتصلة بنظام الحكم والشورى في الاسلام ولتحقيق العدالة والمساواة بين الناس في حقوقهم وذلك يحتم مواجهة الوعي الزائف والتحريف للنصوص ،والإيمان أن الإسلام جاء لتحرير الإنسان من عبودية غير الله والخضوع للطبقية والكهنوت، وأن شرعية اختيار الحاكم تنبع من الأمة وعبرها، وأن المواطنة المتساوية هي الضامن الوحيد لاستقرار المجتمعات وعدالتها.