أنا آخر حاكم زيدي في اليمن! (4)
تسليم دماج فتح الباب على مصراعيه نحو حاشد وعمران وإسقاط الجمهورية
كانت الحوثية تقضم المناطق منطقة بعد أخرى، تفتر تارة وتسارع تارات أخرى لذلك، تقدمت لتسقط قفلة عذر بعد منطقة ومديرية حرف سفيان التي استولت عليها في يوليو 2010 بشنها حرباً كاملة على الشيخ صغير عزيز شيخ المنطقة، ولم يبق معها إلا منطقة دماج ذات العمق السلفي.
ولأن منطقة دماج ستشكل حساسية عالية في الحرب باعتبار بعدها الطائفي، وتخوف الحوثية أن تستثير بقية اليمنيين، كان اقتضامها باتفاق مع صالح أولاً لينزع عنها حساسية وصاعق المواجهة، ثم بعد ذلك الرضوخ من هادي الذي أكمل المشوار وخذلها باعتباره رئيس الدولة المسؤول عن حماية مناطق اليمن، ولم تتحرك الحوثية في طريق الغزو الشامل والجريء إلا بعد أن خبرت موقف بقية القوى اليمنية من دماج، وكذلك موقف الدولة الرسمي المتخاذل، وعندما رأت كل الخذلان لدماج شجعها ذلك لخوض حرب وغزو كاملين في الطريق إلى صنعاء.
وفي منطقة دماج بصعدة أحكم الحوثيون حصارهم على مديرية دماج في يوم 13 نوفمبر 2011، وقاموا بقطع الطريق في مديرية كتاف بمحافظة صعدة، لمنع مرور قافلة الإغاثة الغذائية التي انطلقت لإنهاء الحصار الذي فرضه الحوثيون على دماج، منذ 25 يوماً.
وجرت اشتباكات عنيفة في هذا اليوم بين الحوثيين والسلفيين في دماج، استخدمت فيها أسلحة خفيفة ومتوسطة، أسفرت عن سقوط جريحين من المحاصرين السلفيين في دماج. وعزز فيه الحوثيون قواتهم في محيط دماج، بهدف تشديد الحصار على المنطقة، وإجبار السلفيين على تسليم عدد من المواقع المطلة على دار الحديث بدماج.
استمرت الحرب والحصار على دماج منذ 2011 وحتى إسقاطها وتسليمها في2014، أي أربع سنوات، مما فتح شهيتها وأفسح الطريق للحوثية التحرك نحو قبيلة حاشد وعمران ومن ثم إسقاط الدولة والجمهورية بشكل عام.
عملية تسليم دماج في الأساس كانت عملية لصالح نفسه باتفاق مع الحوثيين كأهم بوادر حسن النوايا من صالح تجاه التحالف الذي كونه مع الحوثيين، وإن كان قطف ثماره في أيام هادي الذي استكمل مهمة صالح في تسليم دماج لتصفية الطريق نحو صنعاء، حتى لا تبقى جبهة مشاغلة لهم من الخلف وتأمين أرضية الانطلاق، وكانت ثاني جرائم التنكيل والتهجير بعد تنكيل الإرهاب الحوثي بالقبائل واليهود المساندة للدولة والجيش وتهجيرهم من بلادهم وتفجير منازلهم ونهب أموالهم.
فتسليم دماج كصفقة وورقة مقابلة للحوثيين كانت نفس الصفقة التي قدمها صالح للإماميين بإلغاء المعاهد العلمية التي صرخ منها الإماميون كثيراً، وظل يحيى المتوكل يبذل كل جهده لإلغائها؛ كونها أحدثت نقلة نوعية في نشر التعليم الشرعي السني المضاد للخرافة الإمامية، ووصلت المعاهد إلى كل بلاد حتى اقتربت من معقلهم في ضحيان، لذلك حقدوا عليها حقداً شديداً، فكافأ صالح الإماميين بإلغائها بعد أول فراق مع الإصلاح بعد الانتخابات النيابية عام 1997 وتحولهم من شركاء في السلطة إلى صف المعارضة مع بقية الأحزاب الأخرى.
خذلان دماج سبقه بأعوام خذلان صالح للشيخ صغير عزيز، وقبله آل عثمان مجلي، في مواجهة الجميع للمليشيا الحوثية التي عادت تنتقم منهم لمؤازرتهم الدولة ضد التمرد الحوثي في الحروب السابقة، ومن أراد التأكد من ذلك فليطلع على المقابلة الصحفية التي أجرتها صحيفة "الناس" مع الشيخ صغير بن عزيز في تاريخ 9 أغسطس 2010، على الرابط https://almasdaronline.com/article/10473
الزحف باتجاه عمق قبيلة حاشد وأطرافها ومركزها في قفلة عذر، ومن بعدها العصيمات ، كان ضمن خطة صالح والحوثيين في الوصول إلى هذا المكان لإسقاط قوة واعتبار قبيلة حاشد وبني الأحمر بعد مواجهات الحصبة من ناحية، ومن ناحية أخرى كان صالح يعتقد أن الثورة هي ثورة حميد الأحمر والإصلاح بقوة حاشد التي تقود قوة القبائل، ومن هنا عمل على كسرها بالحوثيين.
في مقابلة صحفية مع صحيفة المصدر يوم الأحد 9 فبراير 2014م أوضح حميد الأحمر ما جرى بين صالح والحوثيين من تحالف وتوجيه صالح لمشايخ وكوادر المؤتمر بالتسليم للحوثيين والوقوف معهم للزحف على حاشد، فقال: "في تلك الفترة نفسها وجه [صالح] الأشخاص المرتبطين به في المؤتمر الشعبي من بعض مشايخ قبيلة عذر بإعلان ولائهم للحوثي، مع أن هؤلاء الأشخاص معروف انه لا يوجد ارتباط بينهم وبين الحوثي، بل وممكن شاركوا في القتال ضده في الفترات السابقة، لكنهم وثيقي الصلة بـ علي صالح ومنهم من استخدم لقمع شباب الثورة في صنعاء بل يكاد يكون مدير القفلة هو الوحيد من حاشد الذي أتى بمجاميع مع علي صالح وكانت في مدينة الثورة، وبالتالي أصبح للحوثي نفوذ بشكل رمزي من خلال القيادة التي هي أساساً مكلفة بإدارة مديرية القفلة وبعض مشايخها الموالين لصالح.
وخلال الفترة الماضية حاول هؤلاء فرض سطوة الحوثية على قبيلة عذر، وحصلت مواجهات بينهم وبين كثير من قبائل عذر الذين رفضوا أن يكونوا في إطار الولاء للحوثي لأن هذا أمر غير مستساغ عندهم وغير مقبول، وظلت قبيلة عذر كقبيلة بأكثر أفرادها وأكثر مشايخها رافضة لهذا الأمر، لكن استمر بعض المشايخ البارزين فيها ومدير المديرية مُعلنين الولاء للحوثي، وهم ولاءهم الفعلي أساساً لعلي صالح".(صحيفة المصدر الأحد 9 فبراير 2014م).
هذه المواجهة كانت ثالث المواجهات بين صالح وبني الأحمر وحاشد؛ منها مواجهتان عسكريتان، ومواجهة سياسية، وهي رابعة إذا حسبنا أن حروب صعدة كانت بقوة الفرقة الأولى مدرع التي يقودها اللواء علي محسن وحميد القشيبي ومساندة قبائل عمران وخاصة حاشد.
أما المواجهة السياسية الكبيرة فهي تحالف صالح مع الحوثيين في الانتخابات الرئاسية عام 2006 والتي كان فيها بنو الأحمر يدعمون فيها بشدة مرشح المعارضة فيصل بن شملان، ومن رحم المعركة ومن بين دوي أسلحتها أوقف صالح الحرب الثالثة ليدخل في تحالف مع الحوثية لمواجهة المرشح الرئاسي القادم من حضرموت خشية تجريد الزيدية من الرئاسة.
هنا أعتقد جازماً أنه جرى حوار بين الحوثيين وصالح على أساس من هذه النظرة (آخر حاكم زيدي في اليمن)؛ فقد بدأ تدشين حملته الانتخابية من صعدة بعد ما نجح في استقطاب الحوثيين وأهالي صعدة بعد موقفه من الحرب الإسرائيلية على لبنان، وإشادة عبدالملك الحوثي بمواقفه من حزب الله.
وقال عبده بورجي، السكرتير الصحفي للرئيس اليمني "إن الرئيس حرص على أن يبدأ حملته الانتخابية من محافظة صعدة من أقصى حدود شمال البلاد لتأكيد دور تلك المحافظة في تجسيد اللحمة الوطنية وتأكيد دورها في حماية الثورة والجمهورية". بحسب الرابط https://www.albayan.ae/one-world/2006-08-31-1.949282
صوت الحوثيون لصالح ضد بن شملان بكل أريحية، وهو ما يعكس التحالف الخفي بين الحوثي وصالح، وحصل صالح على أكثر من 80% من الأصوات في صعدة، وضعف التصويت فيها لصالح المرشح المنافس بن شملان، وكأني بصالح يقول للحوثيين بشأن بن شملان ما قاله بشأن هادي (ما نشتي صاحب حضرموت يجي يحكمنا).
أحاط صالح نفسه بعناصر هاشمية إمامية منذ البداية كيحيى المتوكل وعينه أميناً عماً للمؤتمر الشعبي العام، ووزيراً للداخلية ومحل ثقة كل أسراره الأمنية والسياسية، وكذلك يحيى الشامي وعينه محافظاً لصعدة في ذروة المعارك بين الجيش والمتمردين الحوثيين، ولا تخفى أهداف هذا التعيين على أحد في تلك الظروف التي تجعل العنصر الإمامي المعين متعاطفاً مع مشروعه الإمامي ويعمل بكل وسيلة ممكنة للتمكين له وتخذيل الجيش عن المواجهة، وهناك تفاصيل كثيرة في هذا الموضوع.
هذا ناهيك عن تعيينه العنصر الإمامي الآخر أحمد الكحلاني كأمين للعاصمة صنعاء، وقام بمصاهرته وتمكين العناصر الإمامية في مفاصل الدولة المختلفة، وكان ضمن الوفد الذي اتفق مع إيران للتحالف بينها وبين علي عبدالله صالح والحوثيين، واتهمه السلفيون بإسقاط المواقع في دماج لصالح الحوثيين بالتنسيق بينهم وبين أحمد علي واستيعاب الحوثيين في الحرس الجمهوري.
كما كان سكرتيراه الإعلاميين يحيى العراسي وحسن الشاطر متمكنين من كل تفاصيل حياته السياسية والإعلامية وندمائه في المجالس، ومستشاريه في التعيينات الإعلامية المختلفة، وفي حملاته الإعلامية ضد خصومهم ومنافسيهم.
كذلك لعبت بعض العناصر الإمامية دوراً كبيراً لتحالف صالح مع الحوثيين مثل زيد الذاري الذي ظل حتى آخر لحظة مع طارق صالح، وكذلك حمود عباد الذي كان مقرباً من صالح، وكذلك نزيه العماد وغيرهم كثر على رأسهم أحمد الكحلاني بعد يحيى الشامي والذي يتهمه البعض بأنه وارث المشروع الإمامي الهاشمي في اليمن بعد مقتل يحيى الشامي، ولا زال متدثراً بحزب المؤتمر الشعبي العام ومقرباً من نجل صالح أحمد علي.
تسربت معلومات في 2014 أن التحالف الحوثي وصالح تم على غزو صنعاء وحكم اليمن على أن يكون أحمد علي هو المرجع السياسي (رئيس) وعبدالملك الحوثي المرجع الديني (ولي الفقيه)، وتحكم اليمن كما تحكم إيران.
هذه المعلومة أكدها بعد ذلك الرئيس عبد ربه منصور هادي في مقابلة صحفية مع صحيفة "عكاظ" السعودية، وقال: "اتفقوا على 10 نقاط أبرزها: أن يكون عبدالملك الحوثي المرجع الديني لليمن، وأن يكون أحمد علي عبدالله صالح المرجع السياسي، واغتيالي كرئيس للدولة حتى تنتهي المبادرة الخليجية، واعتماد التجربة الإيرانية كمرجع للحكم في اليمن، على أن تدعم إيران الاقتصاد اليمني".
رابط المقابلة https://www.okaz.com.sa/article/1045508
لم تكن تصريحات السلفيين باستيعاب العناصر الحوثية في الحرس الجمهوري هي المصدر الوحيد؛ بل لقد علمنا بقيام الحرس الجمهوري باستيعاب قرابة ثلاثين ألف عنصر حوثي وإمامي بعد هجماته على الساحة بصنعاء في سبتمبر 2011، وهو كنوع من توثيق التحالف بين الجانبين أكدته الوقائع والمحطات بعدها.
كانت هذه العناصر الحوثية الإمامية في الأساس هي المسيطر بعد ذلك على الحرس الجمهوري وخذلان صالح عندما تحرك ضدهم في الثاني من ديسمبر 2017، فقد كان سلم رقبته لهم وزمام المعسكرات إليهم، وكانت لهم اليد الطولى في مجرى الأحداث بين الجانبين وترجيح كفة الحوثيين على صالح ومن معه.
التجنيد الحوثي الإمامي في الحرس الجمهوري كان قديماً، وموجهاً ضد الفرقة التي هي على النقيض تماماً من الحوثيين، ويعتبرونها عدوهم الأول، لذلك كان الاستقطاب المبكر للعناصر الإمامية خاصة هواشم وإماميي صنعاء وما حولها، ولذلك لعبت هذه العناصر من الضباط والصف والجنود دوراً كبيراً في خيانة الفرقة في حربها وإضعافها في حروب صعدة الست، وتسليم المعسكرات والمواقع والسلاح والتموين للحوثيين.
.... يتبع
