بين يدي الوداع.. رحلة وطن، وحكاية وفاء
اليوم، وأنا أطوي صفحة العمل الرسمي كمساعد للمشرف العام للعلاقات المؤسسية ورئيس قطاع الاتصال والتعاون الدولي في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، أجدني أودع ٦ سنوات لم تكن مجرد محطة عابرة، بل كانت كنزاً من الخبرات المتراكمة في كيانٍ استثنائي لا تشابهه أي جهة أخرى؛ فالعمل في هذا البرنامج ليس مجرد دعم تنموي واقتصادي لليمن، بل هو مشاركة حقيقية في "بناء دولة"، وترميم مفاصلها، وبناء قدراتها، وصناعة الأمل لمستقبلها.
لقد كانت هذه السنوات الست مدرسة إدارية فريدة، تشرفت فيها - بفضل الله ثم بثقة القيادة والدعم اللامحدود - أن أكون في قلب ورشة العمل الكبرى، مشرفاً على ملفات استراتيجية خضنا فيها معارك التأسيس والبناء على جبهات متعددة، حققنا فيها منجزات نعتز بها:
على الصعيد الإداري والمؤسسي، عملنا باحترافية على بناء منظومة متكاملة تواكب أرفع المعايير العالمية، مراهنين فيها على الكفاءات الوطنية السعودية الشابة، التي صُقلت لتنافس وتوازي كبرى المنظمات الدولية المشابهة.
على الصعيد الإعلامي والاتصالي، تولّينا أمانة الكلمة، فصغنا سردية إعلامية تنموية نقلت قصة العطاء السعودي المخلص من الخفاء إلى النور، وواجهنا التحديات بالحقائق. وبفضل التمكين، نجحنا في تحويل الرأي العام الدولي والملامح السلبية أو المحايدة إلى مواقف إيجابية منصفة، مستندين على نشر الحقائق، وتنوع المنصات، وقوة الرسالة الوطنية.
على صعيد الشراكات الدولية مَدَدنا الجسور، وعقدنا الاتفاقيات الاستراتيجية مع كبرى المنظمات الدولية والأممية، عازمين على تأكيد ريادة المملكة في "الدبلوماسية التنموية"، حتى غدا البرنامج قِبلة للمجتمع الدولي، وشاهد إثباتٍ على مصداقية الإنجاز السعودي في الميدان.
وكل ذلك لم يكن ليتحقق لولا دعم القيادة الرشيدة أيدها الله، فلها الشكر الأجزل من قبل ومن بعد، ثم إشراف سفير خادم الحرمين الشريفين لدى اليمن قائد هذه المسيرة الأستاذ محمد بن سعيد آل جابر -حفظه الله-؛ شكراً لأنك لم تكن مديراً فحسب، بل كنت القائد الذي يستنهض الهمم، والأخ الذي يسند العزم، والموجّه الذي يعلّم بحكمته أن القيادة "أثر"، وأن جوهر العمل هو المبادرة والإنجاز.
كما أشكر رفاق الدرب والمسيرة زميلاتي وزملائي الأوفياء، من كانوا "أخوة وأخوات" قبل أن يكونوا رفقاء مهنة؛ شكراً لروح الفريق الواحد، لولا تكاملكم وتحملكم للمسؤولية لما تحقق لنا ما صبونا إليه. لقد كنتم نِعم السند ونِعم العائلة.
أرحل اليوم بجسدي، واليقين يملؤني بأن المحبة التي غرسناها ستبقى، وأن الذخيرة المعرفية والخبرات التي نهلتها من هذه التجربة الاستثنائية ستظل نبراساً يضيء لي دروب القادم في خدمة وطني الغالي ورؤيته الطموحة 2030.
ممتنٌ للماضي.. ومستعدٌ للمستقبل..
ودمتم لوطنكم مناراً للوفاء
