لو كان الحوثي طبيباً
لو كان الحوثي طبيباً، لوصف لمريضه دواءً يقتله ببطء، ثم طالبه بالتصفيق للعلاج. قالها لي صديق وهو يحكي عن جاره المعلّم، الذي لم يقبض راتبه منذ سنوات، ومع ذلك يسمع كل يوم خطبة عن "الانتصارات".
لسنوات رفعوا شعار القدس، لكن الذي تغيّر فعلياً هو اليمن. فلسطين بقيت حاضرة في المنابر، أما اليمن فصار هو من يُنزف: أكثر من مليون موظف بلا مرتّبات، حتى الحوثي نفسه يقرّ بأن المستحقات بلغت 7 تريليونات ريال. وفي المقابل، تُصرف الملايين على صواريخ ومسيّرات مستوردة، بينما الناس تبحث عن ثمن رغيف.
والأفجع أن هذه الحرب لا تأكل الحديد وحده، بل تأكل الطفولة. أكثر من عشرة آلاف صغير جنّدتهم الجماعة حتى عام 2021 وفق منظمات حقوقية ودولية. أحدهم لم يبلغ الحادية عشرة، أسموه "أبو ليث"، سحبوه من فصله الدراسي ووعدوا أباه بأنه سيبقى بعيداً عن النار. لم يعرف الأب أن ابنه سقط، حتى رأى وجهه مبتسماً على ملصق في الحي، كُتب تحته: "الشهيد الطفل أبو ليث". هكذا يعود أبناء اليمن من جبهات الحوثي؛ لا بشهادات مدرسية، بل بملصقات تعزية.
فريق خبراء مجلس الأمن وثّق كيف وضعت الجماعة يدها على الضرائب والزكاة والجمارك، لتحوّل قوت الجائعين إلى حطبٍ لآلتها العسكرية. والتقارير الدولية تُثبت وجود مكونات إيرانية في هذه المنظومات. غير أن السؤال الأهم ليس من أين يأتي السلاح، بل: أين تكون طهران حين يشتعل وكيلها؟ في ذروة المواجهة، جلست تفاوض واشنطن على أرصدتها المجمّدة. وزير العدل اللبناني لخّص المشهد بعبارة واحدة مُرّة: "تخلّت إيران عن شرط وقف النار، وجلست تساوم على أموالها". الأداة تحترق، وصاحبها يتدفأ من بعيد، ثم يبيع الرماد.
القضية الفلسطينية عادلة، لكن عدالتها لا تبيح لأحد أن يدفع طفلاً في الحادية عشرة نحو الهاوية، ولا أن يُقنع شعباً جائعاً بأن الدمار بطولة، وأن الجوع فداء.
اليمن لا ينقصه سلاح جديد. يحتاج إلى دولة تحترم قدسية حياة الإنسان. يحتاج إلى راتبٍ آخر الشهر، وكهرباء لا تنطفئ، وميناءٍ يعمل، وفصلٍ دراسي يدخله التلميذ بحقيبة مدرسية، لا ببندقية.
هذا هو الفرق بين مشروع يُعمّر، ومشروع يبتلع. الأول يرى في المواطن إنساناً، والثاني لا يرى فيه إلا سطراً في كشف الخسائر.
الغد لا يصنعه من يعلو صراخه، بل من يعيد للمؤسسة هيبتها. من يرفع مدرسة في الحديدة، أو يشقّ طريقاً في البيضاء، أو يشغّل مرفأً في عدن، أو يُنير صنعاء، أو يصرف مستحقات معلّم في إب أو ذمار أو حضرموت أو مأرب... يقدّم لليمن أضعاف ما يقدّمه من يُطلق قذيفة، ثم يترك الناس يعدّون جراحهم.
