المشهد اليمني

جرائم الغدر وتشريع الغدير.. كيف صادر أحفاد كسرى حق الأمة في الحكم باسم الحق العلوي؟

الثلاثاء 9 يونيو 2026 11:54 صـ 24 ذو الحجة 1447 هـ
جرائم الغدر وتشريع الغدير.. كيف صادر أحفاد كسرى حق الأمة في الحكم باسم الحق العلوي؟

يُعد أبو الحسين بن بويه الساساني، الملقب بـ "معز الدولة" -الذي ينتهي نسبه حسب ابن خلكان إلى "كسرى بهرام جور"- المبتدع الأول للاحتفال بعيد الغدير في بغداد سنة 352هـ. وينقل ابن مسكويه أن بني بويه كانوا يزعمون الانتساب إلى يزدجرد، آخر ملوك الفرس. وقد ارتبط الاحتفال بهذا العيد بمرحلة التحول الكبرى التي انتقلت فيها السلطة الفعلية من الخلفاء العباسيين العرب إلى الأمراء البويهيين الساسانيين، واستعادة سلطة كسرى تحت غطاء "الثورة العلوية".

وإذا كان ابن بويه قد اشتهر في الذاكرة المذهبية بإظهار "عيد الغدير" وتحويله إلى مناسبة للغدر بقيم الإسلام السياسية والاجتماعية -ومنها الشورى وحق الأمة في حكم نفسها- فإن قراءة سيرته السياسية تكشف سلسلة من جرائم الغدر المتكررة في أكثر من محطة من حياته و لعلى اشهر غدراته الموثقة تاريخيا ما يلي:

أولاً: الغدر بالمبدأ، غدره بالعهود والمواثيق

يروي ابن خلكان أن معز الدولة لما وصل إلى كرمان، كان فيها قوم من الأكراد يتمتعون بوضع خاص مقابل التزامات مالية، فأرسلوا إليه رئيسهم، وأخذوا منه العهود والمواثيق على إبقائهم على حالهم. غير أن بعض خاصته أشاروا عليه بنقض العهد ومباغتتهم ليلاً للاستيلاء على أموالهم وذخائرهم، فوافق على ذلك. لكن الأكراد علموا بالخطة فأعدوا له كميناً محكماً، وهزموا جيشه وأوقعوا به إصابات خطيرة انتهت بقطع يده اليسرى وبعض أصابع يده اليمنى، ولذلك اشتهر بلقب "الأقطع". وهكذا فإن أول حادثة كبرى حفظتها المصادر عن معز الدولة لم تكن انتصاراً عسكرياً، بل كانت محاولة لنقض عهد انتهت بعقوبة قاسية تركت أثراً على جسده طوال حياته.

ثانياً: الغدر المذهبي، غدره بالمذهب الزيدي والحق العلوي الذي استخدمه مطية للوصول إلى الحكم وتحوله إلى الامامية

استفاد البويهيون زمناً طويلاً من التعاطف مع العلويين ومن البيئة الزيدية والعلوية في الديلم وطبرستان، وخاضوا صراعهم مع العباسيين في ظل خطاب سياسي يقوم على التشكيك في شرعية الخلافة العباسية. وقاموا بتوطين الأئمة العلويين في تلك المناطق وأدانوا لهم بالولاء مؤقتاً، حتى يكتمل مخططهم في تهجير العلويين إلى الديلم وتحويلها إلى خزان عسكري لغزو قلب الخلافة العربية الإسلامية في العراق.

وتعرض شعار "أحقية العلويين بالخلافة" لاختبار حقيقي عندما أصبحت بغداد تحت سيطرة معز الدولة؛ فقد نقلت المصادر أن بعض مستشاريه أشاروا عليه بتسليم الخلافة لأحد العلويين، لكنه عدل عن ذلك بعد مشورة سياسية رأت أن بقاء الخليفة العباسي الضعيف أكثر فائدة للنفوذ البويهي من إقامة خلافة علوية حقيقية. وشاع عنه أنه تحول من المذهب الزيدي إلى المذهب الإمامي، ويشير هذا التحول إلى أن العلوية كانت ذريعة ساسانية لتقويض الخلافة العربية الإسلامية. وجاء في كتاب "البداية والنهاية" أن أحد مستشاريه قال له: "العباسي خليفةٌ ترى أنت وأصحابك أنه غير صحيح الإمارة، حتى لو أمرتَ بقتله قتله أصحابُك، ولو ولّيتَ رجلاً من العلويين لاعتقدتَ أنت وأصحابك أن ولايته صحيحة، فلو أمرتَ بقتله لم تُطَع بذلك، ولو أمر هو بقتلك لقتلك أصحابك". فأعرض معز الدولة عن الأمر وبقيت الخلافة في بني العباس.

وفي تقديري أن هذا التعليل يغفل السياق الكلي المتكرر؛ فقد ساهم الساسانيون في إسقاط الدولة الأموية باسم "الحق العلوي"، وفي ساعة الحسم ساعدوا على تسليم السلطة للعباسيين وحافظوا على "دعوى المظلومية العلوية" لزعزعة الخلافة وابتزازها حتى تهاوت في القرن الرابع الهجري على أيدي البويهيين. وتثير هذه المفارقة تساؤلات مهمة حول طبيعة العلاقة بين الحضور العلوي وبين صعود القوى الديلمية التي استخدمت شعارات مرتبطة بالبيت العلوي أو استمدت شرعيتها من التعاطف الشعبي معهم. والواقع يشير أن تم تهجير العلويين إلى الديلم حتى يتفرد الديلميون الساسانيون بالسيطرة على الخلافة العباسية. ويشير بعض دارسي تاريخ المذهب الإمامي أن هذا المذهب هو في الحقيقة من اختراع ابن بويه قام البويهيون باختراعه تمهيدا للخروج من المذهب الزيدي فهم من قاموا بتمويل الشيخ المفيد الذي يعد اول من وضع أسس المذهب الإمامي. وتمويل بعض الزنادقة الذين شاركوا في صياغة أيديولوجية المذهب ومنهم ابن الراوندي المتوفي اخر القرن الثالث الهجري.

ثالثاً: الغدر بمؤسسة الخلافة، غدره بالخليفة المستكفي وسمل عينيه وسجنه حتى الموت رغم مبايعته له 

دخل ابن بويه بغداد بدون قتال وبترحيب من الخليفة المستكفي، فبايع المستكفي وأوهمه بأنه سيكون نصيره ومعينه، و لقبه المستكفي بـ "معز الدولة". وتشير بعض الروايات إلى أن المستكفي هو الذي طلب دخول بن بويه إلى بغداد ليستعين به ضد الأتراك ولما استقر الأمر لابن بويه قام بخلع الخليفة المستكفي وتعذيبه بطريقة بشعة وسمل عينيه، ونهب جميع ممتلكات قصر الخلافة ووضعه في السجن حتى الموت. وكالعادة وحسب المتوقع والمصلحة الشخصية والساسانية لم يسلم الخلافة للعلويين، ولكنه جاء بخليفة عباسي آخر لُقّب بـ "المطيع".

رابعاً: الغدر بالمجتمع والاستقرار

لم تقتصر تحولات العصر البويهي على الجانب السياسي، بل امتدت آثارها للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ أدى نظام "الإقطاع العسكري" إلى نتائج سلبية على الزراعة والعمران، حيث جرى تخصيص مساحات واسعة من الأراضي للجند والقادة عوضاً عن الرواتب النقدية. وفي وصفه لأحداث تلك المرحلة، يقول ابن كثير: "ثم احتاج إلى صرف أموال في أرزاق الجند فأقطعهم البلاد عوضاً عن أرزاقهم، فأدى ذلك إلى خراب البلاد وترك عمارتها إلا الأراضي التي بأيدي أصحاب الجاهات". ويصف ابن كثير ما أصاب بغداد من غلاء ومجاعة بقوله: "وفي هذه السنة وقع غلاء شديد ببغداد حتى أكلوا الميتة والسنانير والكلاب... وكثر الوباء في الناس حتى كان لا يدفن أحدٌ أحداً، بل يتركون على الطرقات فيأكل كثيراً منهم الكلاب". وتعكس هذه الرواية حجم الأزمة التي شهدتها بغداد، والمفارقة بين تدهور أوضاع العامة وتراكم الثروات في أيدي قادة الدولة.

خامساً: الغدر بالفقراء لصالح النخبة

بينما كانت المصادر تصف معاناة الناس من الجوع والقحط، كانت ثروات "العصابة البويهية" تتضاعف، وشُيدت المساجد والمراقد المذهبية. وقد توفي أحد أمرائهم وترك مليوني دينار و11 مليون درهم. ولما توفي "سُبكتكين" حاجب ابن بويه، خلّف من النقد مليون دينار و10 ملايين درهم. بل إن لِصاً شهيراً في بغداد كان يدفع ضريبة شهرية لضمان "رخصة اللصوصية" تقدر بـ 25,000 دينار، فكان يسرق الدور والأسواق دون خوف. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة توزيع الثروة والسلطة خلال تلك المرحلة.

في نهاية المطاف، فليس المقصود من استعراض هذه الوقائع الانشغال بمحاكمة شخصية "معز الدولة" بعد أكثر من ألف عام، بل تكمن أهمية هذه الوقائع في كشفها لأنماط وممارسات لا تزال تتكرر بأشكال مختلفة في واقعنا المعاصر. فما يعنينا اليوم ليس تاريخ غدرات ابن بويه بقدر ما يعنينا خطر استنساخ النموذج نفسه؛ بدءاً بالغدر بحق الأمة في اختيار حكامها، ومصادرة قيم الشورى والمساواة، ومروراً بتوظيف النصوص الدينية لخدمة مشاريع الهيمنة، وانتهاءً بإعادة إنتاج الخطاب الذي يجعل السلطة حقاً وراثياً محصوراً في فئة بعينها.

أخيرا نشير إلى إن الاعتراض على توظيف "الغدير" سياسياً لا ينطلق من موقف تجاه حدث تاريخي ما بقدر ما يتعلق بالتأكيد على رفض كل محاولة معاصرة لإحياء مضمون سياسي قائم على إقصاء الأمة من تقرير مصيرها، وإحلال الامتياز السلالي محل مبدأ المواطنة والمساواة. القضية الحقيقية ليست شخص معز الدولة، وإنما الفكرة التي ما زال البعض يسعون لإعادة إنتاجها تحت عناوين وشعارات مختلفة.

تنبيه أخير حول توبة ابن بويه

جاء في البداية والنهاية لابن كثير وغيره أن معز الدولة، حين أحس بقرب أجله، أظهر توبةً وإنابة إلى الله، فردّ بعض المظالم، وتصدق بماله، وأعتق عدداً من مماليكه. وتوقف عن لعن الصحابة وتكفيرهم، ويُروى في هذا السياق أنه اجتمع ببعض علماء النسة فحدثه عن ثوابت السنّة، وناظره في قضايا تاريخية وسياسية، منها زواج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من أم كلثوم بنت عمر بن الخطاب، وهو ما أدهش معز الدولة الذي قال: "والله ما سمعت بهذا قط".

وتشير الرواية إلى أنه استحسن موقف ذلك العالم الذي رفض الصلاة في داره لكونها مغصوبة، مما يعكس محاولة أخيرة من معز الدولة للتصالح مع القيم التي غدر بها طيلة حياته. ومع ذلك، فإن هذه اللحظات -على أهميتها في الميزان الأخلاقي الفردي- لا تمحو حقيقة أن 'النموذج' الذي أرساه لم يكن مرتبطاً بسلامة نوايا الفرد بقدر ما كان مرتبطاً ببنية سلطوية قائمة على الإقصاء، وهو ما يعيدنا إلى التأكيد على أن نقدنا ليس موجهاً للشخص في ذمته، بل للفكرة والممارسة التي استمرت في إنتاج الاستبداد وتغييب حق الأمة.

* (المصدر أونلاين)