دم “وحيش”.. والرصاص الطائش في الصدر الجمهوري!
لم ينتظر هواة المكايدات السياسية انقشاع غبار الانفجار في الساحل الغربي كي يبدأوا اللعب، بل قرروا ممارسة طقوس “الزمر” والرقص الفكري فوق جراح الآخرين قبل أن يجفّ دم الضحية. والحقيقة أنني لم أرَ في حياتي الصحفية مراهقةً إعلاميةً تملك هذه الجرأة على تزوير الواقع، بينما الدخان لا يزال يتصاعد من مسرح الجريمة، وكأن دماء القادة العظام باتت مجرد “وقود مجاني” لإنعاش الحسابات الرقمية وتصفية الحسابات الحزبية الضيقة.
أتحدث اليوم عن العميد يحيى وحيش؛ الرجل الذي لم يكن مجرد “رقم” في كشف مرتبات أو اسمًا عابرًا في سجلات القيادة، بل كان واحدًا من القادة المؤسسين للمقاومة الوطنية، وشوكةً في حلق المشروع الإمامي منذ جبال صعدة، قبل أن يصبح “سدًا” منيعًا في رمال الساحل. اغتيل بعبوة ناسفة مزروعة في طريق موكبه بمديرية الخوخة جنوب الحديدة، يوم السبت 6 يونيو، وأودت بحياته وأحد مرافقيه بعد أسابيع فقط من توليه قيادة الفرقة الأولى. وهذا خبر حزين في بلد بات الموت فيه “خبزًا يوميًا”، لكن المثير للسخرية، وشر البلية ما يضحك، ليس في الغدر الحوثي المعتاد، بل في “أولمبياد الكذب” والتوظيف السياسي الهابط الذي انطلق فور وقوع الانفجار.
في صنعاء، ارتدى إعلام الحوثي ثياب “الواعظين”، ورقصوا “البرع” فوق جثمان الشهيد؛ قتلة الأطفال يوزعون اليوم صكوك الطهارة، ويزرعون العبوات في الأرض، ثم يحاضرون في أصول الأمن من السماء، وهم الذين لم يتركوا بيتًا في اليمن إلا وألبسوه ثوب الحداد. حاولوا إقناعنا بأن الجريمة، في روايتهم، تصفية حسابات داخلية بين وحيش وقيادة المقاومة الوطنية، وهي رواية سمجة لا تصمد ثانية واحدة أمام الحقائق العارية، لكنها تكشف المدى الذي يمكن أن تصل إليه وقاحة الجاني حين يجد أمامه ساحةً جمهوريةً مخترقةً إعلاميًا وجاهزةً للتمزق عند أول اختبار.
أما في “الزوايا” الجمهورية الأخرى، فقد انبرت بيئات ناشطة محسوبة على حزب الإصلاح، لا الأطر الرسمية التي أدانت الجريمة بوضوح، لتحويل الجنازة إلى “سوق عكاظ” سياسي. وفجأة، تحولت منصة “إكس” إلى مقر بديل لوكالة استخبارات عالمية؛ حيث تبرع ناشطون لا يفرقون بين العبوة الناسفة وأسطوانة الغاز المنزلية بتقديم تحليل جنائي فوري للبصمات عن بُعد، ووزعوا صكوك الاتهام بناءً على اللون الحزبي للخصوم، وذهبت بعض صفحاتهم إلى حد اتهام طارق صالح وشقيقه عمار بالجريمة قبل أن تكمل سيارة الإسعاف طريقها إلى موقع الحادث في الخوخة. إنه رادار غريب، يصاب بعمى استراتيجي كلما اتجهت الإبرة نحو صنعاء، ولا يلتقط شيئًا اسمه المشروع الحوثي، وكأن المعركة الحقيقية ليست مع من يحتل العاصمة، بل في الصدور والظهور المتبادلة بين الحلفاء.
والأنكى من ذلك، تلك الأصوات التي حاولت تقزيم القضية وتحويلها إلى “صراع مناطق”، وكأن دماء يحيى وحيش “تهامية” فقط وليست “جمهورية” بامتياز. هؤلاء يريدون إقناعنا بأن العدو ليس من زرع العبوة وفجّرها، بل من يقاتل في الخندق المجاور دفاعًا عن حلم الدولة. لكن ما لم يتوقعه مهندسو هذه الفتنة هو أن الحراك التهامي نفسه طالب، في بيان رسمي، بتحقيق فوري وشامل، ووصف العملية بأنها استهداف للوجود التهامي يقف خلفه الحوثيون، لا خصوم داخليون. فسقط “سيناريو الصراع المناطقي” بشهادة أهل البيت أنفسهم؛ فمن يختزل دمًا جمهوريًا في جغرافيا ضيقة إنما يمهد الطريق لخصم واحد كي يحكم الجغرافيا كلها وحده.
وبينما كان خبراء “التحليل الاستخباري الفيسبوكي” يضعون اللمسات الأخيرة على رواية المؤامرة الداخلية، كانت الأجهزة الأمنية واللجان الرسمية تتحرك على الأرض بسرعة تليق بحجم الفاجعة. وبتوجيه مباشر من نائب رئيس مجلس القيادة، الفريق طارق صالح، وبقيادة العميد زايد منصر، طاردت القوات المتهمين وحسمت الأمر في 17 ساعة فقط، وسط عرض البحر، قبل فرارهما. يبدو أن الواقع كان مستعجلًا إلى درجة أنه لم ينتظر انتهاء “المحللين” من احتساء قهوتهم؛ وجاءت الاعترافات الموثقة لتكون “سيد الأدلة”: ارتباط مباشر بميليشيا الحوثي، وتكليف صريح باستهداف الساحل الغربي وإحداث خرق أمني فيه، مع توجيه حازم من رئيس مجلس القيادة الرئاسي بإخضاع الجناة لمحاكمة عاجلة، وعدم إدراجهم في أي عمليات تبادل أسرى مستقبلًا.
إن المسؤولية عن هذا التمزق المخزي لا تقع على عاتق طرف واحد في الصف الجمهوري؛ فإذا كان ناشطو “الإصلاح” قد سقطوا في فخ الاستعجال، وتلقفوا شائعات العدو لإشباع مكايداتهم، فإن إعلام “المقاومة الوطنية” ومنصاته الرديفة لم يكن حاله بأفضل؛ فبالإضافة إلى تأخره في تقديم المعلومات الكافية لإخراس تلك الأصوات، سارع هو الآخر، عبر ناشطيه، إلى ممارسة هوايته المفضلة في “رد الصاع صاعين”، مستعرضًا عضلاته الرقمية في معارك ثأرية جانبية ضد الشركاء، بدلًا من تقديم خطاب إعلامي مرن يحتوي الصدمة ويقطع الطريق على الشائعات بالحقائق. وفي غمرة هذا الاشتباك العبثي، يقف إعلام “المؤتمر الشعبي العام” متفرجًا، في حالة جمود وانفصال عن واقع المعركة، فيما يغرق الإعلام الرسمي والشرعي في سبات عميق، مكتفيًا ببيانات نعي بروتوكولية باهتة لا تسمن ولا تغني من جوع في معركة وعي شرسة، تاركًا الساحة فراغًا تملؤه مطابخ صنعاء. نحن أمام حالة خذلان مشتركة؛ قوى تتفنن في خوض معارك “كسر عظم” افتراضية حامية الوطيس على منصات التواصل، وتحشد لها كل طاقاتها، بينما خطوط التماس الحقيقية مع الحوثي تعاني من فقر دم إعلامي بائس. نحن بارعون جدًا في حصار بعضنا بعضًا بالكلمات، بينما العدو يحاصرنا جميعًا بالعبوات.
وفي هذا السياق، يستحق الزميل العزيز الإعلامي عبدالله دوبلة وقفة تقدير حقيقية؛ لأنه لم يتحدث عن وحيش من بُعد صحفي بارد، بل من معرفة شخصية قديمة، ووصفه بأنه “مثل أخ صغير”، وكشف في برنامجه “من الآخر” على فضائية يمن شباب عن نشاط حسابات حوثية تحركت بشكل منسق فور الاغتيال، بهدف شق الصف بين التهاميين والمحسوبين على طارق صالح، رافضًا أي توظيف للجريمة خارج سياقها الحقيقي، أو ترك المجال للروايات المصنوعة على عجل لتغطي على بصمات الحوثي الواضحة. هذا هو الخطاب المسؤول الذي نحتاجه؛ خطاب يملك وعي الجراح، ويفكك تكتيكات العدو، بدلًا من الانجرار الأعمى خلفها.
إن ما تفعله هذه المطابخ الإعلامية الرديفة هو خدمة مجانية لهدف حوثي واحد: تفتيت الصف الجمهوري، حتى يبقى الحوثي وحده سيد الساحة. والحل المنطقي والوحيد لوقف هذا الانتحار الذاتي، إن كانت هذه القوى جادة فعلًا في الحديث عن صنعاء وتحريرها، هو الانتقال من العشوائية الحزبية إلى التنسيق الاستراتيجي عبر إنشاء “مجلس أعلى لإعلام المعركة”. هذا المجلس يجب ألا يكون كيانًا بروتوكوليًا بريئًا، بل مظلة تجمع ممثلي القوى الجمهورية كافة، وتتولى ضبط البوصلة: صياغة رواية موحدة تفضح العدو، ووضع ميثاق شرف أمني يمنع التراشق الداخلي، ولجم غريزة “رد الصاع صاعين” وهواية الصمت الرسمي الباهت، اللتين تحرقان جبهتنا من الداخل. يجب أن يدرك الجميع أن البندقية أو القلم اللذين ينحرفان نحو الصدر الجمهوري هما هدية مجانية للمشروع الإمامي، مهما كانت لافتة صاحبهما.
أختم بنادرة سمعتها قديمًا: أن أحدهم كذب كذبة وصدقها، ثم غضب لأن الناس لم يصدقوها معه. هذا هو حال بعض منصاتنا الإعلامية في قضية وحيش؛ كذبوا، وحرّضوا، ودخلوا في معارك ثأرية مضادة، وعندما ظهرت الحقيقة العارية في بيانات رسمية واعترافات موثقة، عادوا جميعًا إلى هوايتهم المفضلة: الصمت المريب، أو البحث عن “كذبة” جديدة تليق بالموسم القادم. واليوم، يبقى السؤال معلقًا في أعناق قادة الصف الجمهوري: هل ستستمرون في إطلاق النار على أقدامكم وتفكيك جبهتكم بأيديكم، أم أن صنعاء لم تعد بوصلتكم الحقيقية؟
رحم الله يحيى وحيش، فقد مات بطلًا في ميدان الشرف، وترك خلفه ركامًا من المكايدات السياسية يتصارع أصحابها على “رواية” الجريمة، بينما هو يسكن الآن في رواية واحدة لا كذب فيها… رواية الخلود التي لا يقرؤها الخونة.
