خاصرة الساحل دماء تهامية في فخ التخادم والوصاية
في المشهد التهامي، لا تأتي رصاصة الاغتيال أو شظية العبوة الناسفة كحدث عابر يمكن نسيانه مع تدفق الأنباء، بل تأتي كترجمة دموية شديدة الوضوح لتقاطع المصالح الإقليمية والمحلية، فهل أصبح غياب الكبار وصناع القرار على الأرض ضرورة حتمية لتمرير مشاريع الصغار الذين لا يملكون شرعية الميدان؟ فقراءة لغة المتفجرات في الساحل التهامي تتطلب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تفكيكاً واعياً لأبعاد الجغرافيا والاجتماعية، والعقيدة، لندرك كيف يتحول "البطل الأسطوري" في الجبهة إلى "هدف استراتيجي" في كواليس السياسة ونفوذ المال، ولكن هل تساءلنا يوماً: من هو المستفيد الحقيقي من إخلاء الأرض من فرسانها، ولماذا يُراد لتهامة بالذات أن تبقى بلا رأس يجمع كلمتها، وما الذي كانت تخشاه تلك القوى المتناقضة في ظاهرها والمتطابقة في باطنها؟
تمثل مديرية الخوخة والساحل التهامي عموماً شريان حياة جيوسياسي بالغ الحساسية، جغرافيا فريدة تسيل لها لعاب القوى المتصارعة والنافذين الذين يرقبون الشواطئ والمنافذ بأطماع لا تنتهي، وفي هذا المربع الحيوي، هل يمكن لأي عابر أو طارئ أن يمتلك ذات الولاء والنقاء الذي يمتلكه ابن الأرض البار الذي نبت من طينها وتشرب همومها؟ فالشهيد القائد يحيى الوحيش لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان صمام أمان يذود عن حياض تهامة ويقف سداً منيعاً لحماية أبنائها من تغول الهوامير، والنافذين ومخططات التغيير الديمغرافي الممنهج والذين يستهدفون هوية الأرض وإنسانها قبل حدودها، فإذا كان الدفاع عن الأرض وعن هويتها الديمغرافية تهمة تقود صاحبها إلى الموت، فمن الذي رأى في بقاء الوحيش حامياً للخوخة عائقاً حقيقياً أمام طموحاته التوسعية والتجارية، وهل كان صوته المدافع عن الأرض أشد خطورة عليهم من مدافع الأعداء؟.
وإذا ما تصفحنا سجلات المعارك وخطوط التماس، نجد أن هزيمة قائد كالوحيش في ساحة المواجهة المباشرة كانت ضرباً من المستحيل، فالرجل لم يكن يقاتل كأجير يبتغي مغنماً أو يبحث عن فتات الموائد، بل كان يندفع بعقيدة دينية راسخة وولاء حقيقي غير قابل للمساومة لتراب تهامة الأرض والإنسان، فلماذا عجزت جحافل العدو عن كسر هذا الصمود الأسطوري في ميادين الشرف، بينما نجحت يد الغدر في اصطياده داخل الحواضن الآمنة؟ أليست فكرة الكسر العسكري خياراً ساقطاً ومستحيلاً لدى الأعداء، مما جعل اللجوء إلى الغدر وتدبير المؤامرات في الغرف المظلمة هو البديل الوحيد لإزاحته من المشهد؟ ومع هذا الصمود الذي أعجز المتربصين، هل كانت تصفية هذا القائد بعيداً عن جبهات المواجهة اعترافاً ضمنياً بأن قتله من الأمام مستحيل، وأن الخيانة لا تأتي في قاموس الحروب إلا من الخلف وممن يشاركونك المأكل والمشرب؟.
ومع مطلع عام 2026، شهد اليمن والساحل التهامي زلزالاً عنيفاً في خارطة النفوذ والتنافس، حيث بدأت تتشكل ملامح مرحلة جديدة من الترتيبات التصحيحية الشاملة لوضع القوات ومن ضمنها المقاومة التهامية، وإعادة هيكلتها لانتزاع قرارها المستقل، والتي تقلد فيها الشهيد الوحيش قيادة "الفرقة الأولى مشاه" بجداره واستحقاق، فما الذي أخافه الطامعين في هذه الخطوة التصحيحية بالذات؟ فالترتيبات لم تكن مجرد إعادة تمكّين لأبناء الأرض، بل كانت في المقام الأول مساراً استراتيجياً مدعوماً وموجهاً لربط الساحل التهامي مباشرة بالمملكة العربية السعودية وقيادة التحالف، فمن هو الطرف الذي ارتعدت فرائصه من هذه المعادلة الجديدة؟ تدرك قوى الهيمنة التقليدية، وعلى رأسها "المنظومة الزيدية" بكل تشققاتها السياسية والعقائدية، أن وجود قوة تهامية صلبة، متماسكة، ومستقلة، وعلى ارتباط وثيق ومباشر بالمملكة العربية السعودية، هو فكرة تقض مضاجعهم وتهدد تاريخاً طويلاً من الاستعلاء والتبعية القسرية التي فرضت على تهامة؟.
وهنا تتجلى الحقيقة العارية التي تتجاوز السطح؛ فكل تفاصيل التخطيط، والتنسيق، والتخادم والعبوات الناسفة، ليست إلا تفاصيل ثانوية إذا ما نظرنا إلى المحصلة النهائية الكبرى والتى تلتقي كافة الأطراف المتصارعة، على اختلاف مسمياتها وأيديولوجياتها عند قاسم مشترك واحد وهو أن "لا يكون لهذه الجغرافيا قائد"؟ أليس من العجيب أن يختلفوا في كل شيء من العقيدة إلى السياسة، لكنهم يتوحدون بانسجام مرعب عندما يتعلق الأمر بمنع تهامة من امتلاك شخوصها ورموزها السيادية؟.
ألم يكن صعود الوحيش، حاملاً لواء الترتيبات التصحيحية لعام 2026 والمدعومة من الرياض، بمثابة المسمار الأخير في نعش أحلام الهيمنة المشتركة، والصفعة التي أيقظت في نفوسهم هواجس خسارة الساحل التهامي للأبد، فقرروا تصفية الجسد لقتل المشروع؟
ولذا فجريمة الاغتيال البشعة ليست وليدة اللحظة أو نزوة عابرة، فهل كانت عقاباً ممنهجاً على مواقف "الممانعة الصلبة" التي أبداها العميد الوحيش ومعه باقي القيادات التهامية في وجه الرياح العاتية، فقد تمسك الشهيد بصلابة ومبدئية لا تلين بضرورة خلو "الفرقة الأولى" من أي عنصر قيادي من خارج تهامة، مُصراً على أن تكون القوة تهامية خالصة لحماً ودماً وقراراً، فمن الذي رأى في هذه "التهامية الخالصة" خطراً يهدد نفوذه وعزلته؟ ألم يقطع هذا الموقف التهامي الشجاع الطريق أمام محاولات "تجيير" التضحيات التهامية لصالح أجندات القوى المهيمنة والتى تسعى لامتطاء تضحيات أبناء الأرض والوصول على أكتافهم إلى كراسي الحكم والمكاسب؟ وعندما تتحول المطالبة بتمكين أبناء الأرض في بلادهم إلى خط أحمر يُعاقب صاحبه بالموت، فهل كان إصرار الوحيش على "تهامية الفرقة" وارتباطه الاستراتيجي بالسعودية اهو صك غفرانه والذي عجل بصدور قرار تصفيته، وهل دفع حياته ثمناً لرفضه أن يبيع دماء جنوده في سوق النخاسة السياسية؟.
وعلى الصعيد المحلي اليومي، كان الوحيش يخوض معركة لا تقل شراسة أو خطورة عن معركة الجبهات وخطوط التماس، معركة مريرة ضد النافذين والمحسوبين على الأطراف الأخرى الذين حاولوا بكل الطرق والوسائل نهب أراضي تهامة وتغيير تركيبتها السكانية لتمرير مشاريع استثمارية مشبوهة، حيث وقف القائد بكل ثقله العسكري والاجتماعي مسانداً لملف الأراضي أمام القضاء، ومشكلاً مظلة حماية للمواطن التهامي أمام آلة البطش المالي والعسكري للقوى الطارئة، فكيف تحول حامي القانون إلى مستهدف من القانونيين المزيفين؟.
ألم يجعله هذا الموقف الصلب العدو الأول لشبكات النفوذ والفساد العقاري والاستثماري والتي ترى في تهامة مجرد غنيمة حرب؟ وإذا كان القضاء ساحة للحجج، وبندقية الوحيش ساحة للحق، فهل عجز النافذون عن تمرير مخططات السطو بالقانون والورق، فلجأوا إلى لغة المتفجرات لدفن القضية والمظلومية مع صاحبها في جوف الأرض، ظناً منهم أن صوت الانفجار سيخرس صوت الحق؟
وهنا نصل إلى لب التحليل الجنائي والسياسي وأكثر زواياه عتمة، فإذا كان الحوثي هو المستفيد الأول والمعلن من غياب هذا الأسد، فهل تم التنفيذ بجهد حوثي خالص واخترق التحصينات بسهولة، أم عبر نافذة "التخادم المشترك" مع الطرف الآخر الذي يفترض أنه شريك في الخندق ومقاسم للقمة العيش والمصير؟ فالاختلاف السياسي والعقائدي اذا اعتبرنا ان هناك اخلاف عقائدي بين ( الزيدية ) لا يمنع أبداً -في عالم الحروب القذرة- تقاطع المصالح وتبادل المنافع تحت الطاولة؛ إذ تشير كل المعطيات والقرائن إلى إمكانية قيام صفقة قذرة غير مكتوبة بعقد يتولى فيها الحوثي التنفيذ والتكفل بالعملية ليحقق ثأره ويكسر الامتداد الاستراتيجي للمملكة بالمنطقة، بينما يتكفل الطرف الآخر بالتسهيل اللوجستي، وتقديم المعلومات الدقيقة، ورصد التحركات، أو في أدنى الاحتمالات "رفع الغطاء الاستخباراتي" والحماية الأمنية عن القائد وتركه لقمة سائغة، تطبيقاً للقاعدة الانتهازية الشهيرة: "ما أمرتُ بها، وليس لي يد فيها، ولكنها لم تسؤني"، وفي محصلة هذا التخادم المخزي، هل بيعت دماء القائد الوحيش في سوق المقايضات السياسية الرخيصة، ليربح الحوثي رأس خصمه العنيد الذي أذاقه الويلات، ويربح الشريك اللدود ساحة تهامية فارغة من الأبطال يسهل تشكيلها كما يشتهي؟.
وبعد أن نجحت المؤامرة الدنيئة واكتملت فصول غياب القائد وواراه الثرى، ينفتح المشهد اليوم على مرحلة خطيرة هي مرحلة "تجهيز البديل" وإحلاله في هرم القيادة الحيوية، فهل سيمر هذا الاختيار بشكل سلس ووفق ما تقتضيه إرادة ومصلحة أبناء الأرض التهاميين الأوفياء الذين قدموا قوافل من الشهداء؟ أم أن آلة الفرض القسري والوصاية الخارجية ستبدأ بالتحرك لتمرير ما عجزت عنه القوى النافذة سابقاً في حياة القائد، وضرب الترتيبات التصحيحية في مهدها؟.
فغياب الممانعة الصلبة برحيل الوحيش يفتح الباب على مصراعيه لفرض تعيينات كانت ترفض في حياته وتعتبر من الكبائر الوطنية، ليتحقق بالمكسب السياسي والتعيين الإداري ما تم التمهيد له بالمتفجرات والعبوات الناسفة،
وهنا يبرز السؤال الختامي والأخطر الذي يقض مضاجع الأحرار: هل كان اغتيال الوحيش مجرد رغبة في القتل وإزاحة خصم عنيد ، أم كان تصفية جراحية دقيقة لمعادلة الرفض والممانعة التهامية برمتها، وإجهاضاً مبكراً لتحالفها الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية، ليفرض الآن بقوة الأمر الواقع وبأثر رجعي كل ما كان مستحيلاً وعصياً في وجوده؟ وإذا كان رحيل القائد قد مهد الطريق للمشاريع الطارئة، فهل ستلد رحم تهامة من يكمل المسير ويعيد ضبط البوصلة نحو عمقها الأصيل، أم أن غياب الوحيش كان الفصل الأخير في رواية الاستقلال التهامي؟.
