في أسبوع العدالة الانتقالية، أرفض أن يكون حديثنا مجرد مناسبة عابرة نرفع فيها الشعارات، ثم نعود بعدها إلى الصمت. فالعدالة بالنسبة لي ليست مصطلحًا سياسيًا جميلًا، ولا فقرة تُضاف إلى بيانات المؤتمرات، وإنما هي حق أصيل للإنسان، وواجب على الدولة، ومسؤولية أمام التاريخ.
ومن موقع مسؤوليتي الحقوقية والوطنية، أقولها بوضوح: إن اليمن لم يعد يحتمل المزيد من تأجيل الحقيقة، ولا المزيد من ترحيل ملفات الضحايا من مرحلة سياسية إلى أخرى.
لقد خلفت سنوات طويلة من الصراع والانقسام والحروب والانتهاكات آلاف القصص الإنسانية التي لم تجد، حتى اليوم، طريقها إلى العدالة. أسر فقدت أبناءها، وأمهات ما زلن ينتظرن معرفة مصير أحبائهن، ومواطنون تعرضوا للاعتقال أو التعذيب أو النزوح، ونساء حملن وحدهن أثقال الحروب، ومجتمعات كاملة ما زالت تعيش آثار ما حدث لها.
هؤلاء ليسوا أرقامًا في تقارير حقوقية، وليسوا أوراقًا على طاولة المفاوضات، وإنما هم أصحاب حقوق، ولهم الحق في الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر.
هناك من يعتقد أن الحديث عن الماضي يعرقل السلام، وأنا أختلف مع هذا الطرح. فتجاهل الماضي هو الذي يهدد السلام، لأن الجريمة التي لا تجد عدالة تتحول إلى جرح مفتوح، والظلم الذي لا يجد إنصافًا يتحول إلى ذاكرة غضب، والضحية التي لا تجد اعترافًا بحقها قد تفقد ثقتها بالدولة والقانون.
لا يمكن أن نبني سلامًا مستدامًا على ذاكرة مكسورة، ولا أن نطلب من الضحايا أن ينسوا بينما لم يحصلوا على حقهم في الحقيقة والإنصاف. فالمصالحة الحقيقية لا تعني أن نطلب من الضحية أن تصافح من ظلمها قبل أن تعرف الحقيقة، كما أن المسامحة قرار شخصي لا يجوز فرضه على الضحايا.
أما العدالة، فهي مسؤولية الدولة والمجتمع، ولا تعرف لونًا سياسيًا. وأرفض أن تتحول العدالة الانتقالية إلى سلاح سياسي؛ فلا نريد عدالة لطرف ضد طرف، ولا لجانًا تبحث عن أخطاء الخصوم وتتجاهل أخطاء الحلفاء، ولا نريد انتقامًا مقنعًا بثوب حقوقي.
ما نريده اليوم هو معيار واحد للجميع. فمن ارتكب انتهاكًا جسيمًا يجب أن يخضع للمساءلة، أياً كان موقعه أو نفوذه أو انتماؤه، ومن تثبت مسؤوليته يجب ألا يحتمي بالمنصب أو السلاح أو النفوذ السياسي. وفي المقابل، لا يجوز اتهام أحد أو إدانته دون أدلة وإجراءات قانونية عادلة. هذه هي العدالة التي أؤمن بها: لا انتقام، ولا حصانة، ولا انتقائية.
وإذا كنا جادين في بناء دولة مؤسسات، فعلينا أن نبدأ من الإنسان. فلا يمكن الحديث عن دولة القانون بينما تبقى ملفات الانتهاكات دون معالجة، ولا يمكن استعادة ثقة المواطن بالدولة دون استعادة ثقته بأن حقوقه مصانة، وأن من يعتدي عليه سيواجه القانون.
إن اليمن بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية لإطلاق مسار وطني للعدالة الانتقالية، وإلى تشريعات ومؤسسات وآليات مستقلة وشفافة، وإلى دعم حقيقي للضحايا وأسرهم. ولا نريد لجنة جديدة تُضاف إلى أرشيف اللجان، بل نريد آلية تعمل، وتسمع، وتوثق، وتحقق، وتنصف.
وأبين ليست هامشًا في الذاكرة الوطنية، وبصفتي مدير مكتب وزارة حقوق الإنسان في محافظة أبين، فإنني أؤكد أن أبين لا يمكن أن تكون خارج هذا المسار. فأبين ليست مجرد اسم على خارطة اليمن، بل محافظة عاشت الحروب والنزوح والخوف والاغتيالات والتطرف والدمار والانقسامات، ودفع أبناؤها أثمانًا باهظة خلال سنوات الصراع. ومن حق أبناء أبين أن تُوثق معاناتهم، وأن تُحفظ شهاداتهم، وأن تُسمع أصواتهم في أي مشروع وطني للعدالة والمصالحة.
نحن بحاجة إلى ذاكرة حقوقية تحفظ ما حدث، لا بهدف الانتقام، وإنما بهدف التعلم ومنع التكرار. فلا يجوز أن تظل معاناة المحافظات والأسر والضحايا مجرد روايات شفوية معرضة للنسيان.
ولا يمكن بناء عدالة انتقالية حقيقية من دون المرأة. فالنساء اليمنيات تحملن العبء الأكبر من آثار الصراع؛ فقدن الأبناء والأزواج، وتحملن النزوح والفقر ومسؤولية الأسرة، وتعرضت بعضهن لأشكال متعددة من العنف والانتهاكات، ومع ذلك ما زالت مشاركة المرأة في صناعة القرار السياسي والحقوقي محدودة بما لا يتناسب مع حجم ما قدمته.
نحن لا نريد للمرأة أن تكون مجرد صورة في مؤتمر عن السلام، بل نريدها شريكة في صناعة السلام والعدالة، ونريد النساء في لجان التوثيق، وفي مواقع القرار، وفي المؤسسات التي ستصوغ مستقبل العدالة الانتقالية.
ورسالتنا إلى جميع الأطراف واضحة: اتركوا ملف الضحايا بعيدًا عن المساومات السياسية. لا تجعلوا العدالة ثمنًا لتوقيع اتفاق، ولا تجعلوا المصالحة غطاءً لإغلاق ملفات الانتهاكات، ولا تستخدموا الضحايا لتحقيق مكاسب سياسية.
الجميع يعرف أن القضية أكبر من الجميع؛ فاليمنيون يريدون أن يعرفوا الحقيقة، ويريدون أن يشعروا بأن دماء أبنائهم لم تذهب هدرًا، وأن الدولة القادمة لن تكون نسخة من الماضي.
وإلى المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والحقوقية أقول: لقد ساهم التوثيق الدولي في حفظ جانب مهم من ذاكرة الانتهاكات، لكن اليمن يحتاج إلى أكثر من التقارير. نحتاج إلى دعم مؤسسات العدالة، وبناء قدرات القضاء والنيابة وأجهزة إنفاذ القانون، ودعم آليات حماية الضحايا والشهود، ومساندة عملية لمسار العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
لا نريد أن تتحول معاناة اليمنيين إلى أرقام في تقارير سنوية، بينما تبقى العدالة غائبة على الأرض.
فالعدالة تبدأ من الحقيقة، وأي مسار جاد للعدالة الانتقالية يجب أن يبدأ من الحقيقة: الحقيقة بشأن القتلى، والحقيقة بشأن المفقودين والمختفين، والحقيقة بشأن أماكن الاحتجاز، والحقيقة بشأن التعذيب والانتهاكات، والحقيقة بشأن النزوح وتدمير الممتلكات، والحقيقة بشأن المسؤوليات، وفق القانون والأدلة.
ثم يأتي جبر الضرر ورد الاعتبار وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات. فمن دون الحقيقة ستظل المصالحة ناقصة، ومن دون المساءلة سيظل السلام هشًا.
وأكررها لأن البعض قد يحاول إساءة فهم خطاب العدالة: نحن لا نريد الانتقام من أحد، وإنما نريد دولة؛ دولة لا يخاف فيها المواطن من صاحب النفوذ، دولة لا يكون فيها السلاح أقوى من القانون، دولة لا يصبح فيها الانتماء السياسي سببًا لانتهاك الحقوق، دولة تستطيع فيها الأسرة أن تبحث عن حقها دون خوف، ودولة يكون فيها القضاء مستقلًا وقادرًا على إنصاف الضعيف قبل القوي.
هذا هو اليمن الذي نستحقه، والذي ننشده جميعًا.
وبصفتي امرأة يمنية ومسؤولة في مجال حقوق الإنسان، فإن كلمتي ورسالتي الأخيرة هي أنني لن أتعامل مع ملف العدالة الانتقالية باعتباره ملفًا مؤجلًا إلى أجل غير مسمى. فالعدالة التي تؤجل اليوم قد تصبح ظلمًا جديدًا غدًا، وحقوق الضحايا التي لا نحميها اليوم قد تضيع مع مرور الزمن.
ولهذا فإن رسالتي واضحة: لا تطلبوا من اليمنيين أن ينسوا قبل أن يعرفوا الحقيقة، ولا تطلبوا من الضحايا أن يصالحوا قبل أن يُنصفوا، ولا تطلبوا من المجتمع أن يثق بالدولة قبل أن يرى القانون يُطبق على الجميع.
نحن بحاجة إلى شجاعة سياسية تفتح الملفات الصعبة، وشجاعة حقوقية تقول الحقيقة، وشجاعة وطنية تعترف بالأخطاء، وشجاعة قانونية تحاسب من تثبت مسؤوليته.
فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من الصمت؛ اليمن يحتاج إلى الحقيقة. ولا يحتاج إلى مزيد من التسويات التي تؤجل الجراح؛ اليمن يحتاج إلى العدالة. ولا يحتاج إلى مصالحة شكلية تمحو ذاكرة الضحايا؛ اليمن يحتاج إلى مصالحة تقوم على الاعتراف والإنصاف وجبر الضرر.
وأقولها بكل وضوح: لن يكون هناك سلام مستدام بلا عدالة، ولن تكون هناك مصالحة حقيقية بلا حقيقة، ولن تكون هناك دولة قانون مع استمرار الإفلات من العقاب، ولن يكون مستقبل اليمن آمنًا إذا تركنا الماضي دون معالجة.
إن العدالة الانتقالية ليست انتقامًا من الماضي، وإنما هي عهدٌ مع المستقبل؛ عهدٌ بأن ما حدث لن يتكرر، وعهدٌ بأن الإنسان اليمني لن يكون مرة أخرى الحلقة الأضعف أمام السلاح والنفوذ والسياسة.
اليمن لا يحتاج إلى دفن ذاكرته، بل يحتاج إلى مواجهتها بشجاعة، وإنصاف ضحاياه، وبناء دولة لا يخاف فيها أحد من العدالة.