في عالم الحروب المعاصرة، حيث تتسابق الجيوش لاستعراض أحدث الدروع الواقية، والخوذات اللامعة، والأسلحة المتطورة خلف المتاريس المحصنة، تبرز من بين أزقة مدينة تعز المحاصرة صورة استثنائية تكسر كل القواعد العسكرية، وتعيد تعريف معنى "البطولة" في أبسط صورها وأكثرها عمقاً.
أيقونة الصمود: بندقية ثقيلة وقدمان حافيتان
في لقطة وثقتها عدسات الكاميرا وتوقف أمامها "المشهد اليمني" طويلاً، يظهر فتىً يافع من أبناء تعز، بثياب مدنية بسيطة رثة، وقدمين حافيتين تماماً، يطأ بهما صخور الجبال المدببة وحجارة الركام القاسية. لا شيء في مظهره الخارجي يوحي بأنه مقاتل متمرس ذاهب لمواجهة الموت؛ لا حذاء عسكري يحميه، ولا درع يغطي صدره. لكن المثير للدهشة هو ما يحمله على كتفه: بندقية قنص ضخمة، تكاد تفوق جسده النحيل وزناً وحجماً، يحملها بخفة من يحمل راية وطنه.
تلك الخطوات الثابتة فوق الأرض غير الممهدة، تخفي خلفها إرادة فولاذية. فهذا الفتى لم يكن يشعر بوزن البندقية الثقيل، لأن عينه كانت شاخصة نحو هدفه؛ الدفاع عن مدينته التي يُراد لها أن تركع. ولم تكن الصخور الجارحة لتؤلم قدميه، لأن ألمه الحقيقي كان يكمن في رؤية تعز تُخنق بحصار جائر.
عندما تصبح الكرامة أغلى من الروح
لقد خرج هذا الشاب المغوار، حافي القدمين ولكنه مدجج بـ "إرادة لا تُقهر". كان يمشي فوق الركام بخطوات الرجال الذين حسموا أمرهم: الكرامة أولاً، حتى وإن كان الثمن هو الروح. في اللحظة التي كان يبحث فيها الكثيرون عن الملاجئ الآمنة هرباً من شبح الموت الذي يطرق الأبواب، كان هذا الفتى يخرج إلى خطوط النار الأولى، حافياً، ليقول للموت وجهاً لوجه: "لن أتراجع".
إن هذه اللقطة ليست مجرد صورة عابرة في أرشيف الحرب، بل هي وثيقة بصرية تختزل حكاية مدينة بأكملها. مدينةٌ قاتلت وهي تنزف، وصمدت وهي محاصرة، ورفضت بشدة أن تكون مجرد رقم إضافي في قائمة المدن التي ابتلعتها آلة الحرب.
رسالة من بين الركام
رسالة هذا الشاب تتجاوز حدود تعز لتصل إلى العالم أجمع: الأوطان لا يحرسها دائماً أصحاب البدلات الأنيقة أو الرتب العسكرية الرفيعة، بل قد يحرسها شاب حافي القدمين، لا يملك من حطام الدنيا سوى بندقيته، وجسده النحيل، وقلب لا يعرف قاموسه معنى "الاستسلام".
لذا، حين نتأمل هذه الصورة، يجب ألا تقف أعيننا عند قدميه الحافيتين، بل عند الطريق الوعر الذي اختار أن يقطعه بهما. ولا ينبغي أن نتعجب من ثقل البندقية، بل من خفة الوطن في قلبه وكيف رفعه عالياً دون أن ينحني.
إنها تعز، المدينة التي قد تفتقر أحياناً للعتاد العسكري الثقيل، لكنها تمتلك السلاح الأمضى على الإطلاق: "الإرادة الشعبية". وسيظل هذا الفتى شاهداً حياً على حقبة زمنية قِيست فيها الشجاعة بعدد الخطوات التي يتقدم بها الإنسان نحو الخطر، لا بالمسافة التي يفر بها منه.
سلامٌ على ذلك الفتى، حافي القدمين، ثقيل السلاح، خفيف الخوف، والممتلئ بوطنه. وسلامٌ على كل قدم حافية نزفت فوق حجارة تعز لتكتب بدمائها: "هنا وطن لا يُسلب، ما دام فيه نبض يرفض الانكسار".