في جغرافيا الحرب اليمنية، ليست كل الجبال مجرد تضاريس صامتة، ولا كل القمم متشابهة في قيمتها العسكرية والسياسية. هناك مواقع تتحول بحكم موقعها إلى مفاتيح للميدان، ومن بينها جبل حبشي في محافظة تعز؛ ذلك الجبل الذي يطل على مساحات واسعة ويشكل عقدة جغرافية بالغة الأهمية بين مدينة تعز والجهات الغربية، وبين مناطق الساحل والمخا وممرات الحركة المؤدية نحو البحر وباب المندب.
ولهذا لم يكن غريباً أن يبقى جبل حبشي حاضراً في حسابات المعارك طوال سنوات الحرب. فمن يقرأ خريطة تعز جيداً يدرك أن السيطرة على المرتفعات والممرات المحيطة بالجبل لا تعني مجرد السيطرة على قرى ومواقع متناثرة، بل تعني امتلاك أفضلية ميدانية يمكن أن تؤثر في حركة القوات وخطوط الإمداد والاتصال بين الداخل والساحل.
هنا تحديداً تكمن أهمية المعركة.
فالمعركة حول جبل حبشي ليست، في نظر أبناء المنطقة، معركة على مساحة جغرافية فحسب؛ إنها معركة على أمن تعز، وعلى قدرة القوات المدافعة عن المحافظة والساحل على الحفاظ على خطوطها ومواقعها، وعلى منع تحويل المرتفعات الاستراتيجية إلى منصة ضغط جديدة على المدن والطرق والمناطق المحيطة.
ومنذ سنوات، حاولت جماعة الحوثيين توسيع نطاق نفوذها في محيط تعز وفتح مسارات جديدة نحو المواقع ذات القيمة الاستراتيجية.
وفي عام 2017 دخلت مناطق جبل حبشي في دائرة المواجهات، وواجهت محاولات التقدم مقاومة شرسة في عدد من المواقع، من بينها القوز والرحبة وقهبان وحمير، قبل أن تتغير موازين الميدان خلال السنوات اللاحقة.
واليوم، ومع تجدد المواجهات، يعود جبل حبشي إلى واجهة المشهد من جديد.
والرسالة التي تحملها هذه العودة واضحة: المعركة لم تُحسم بمجرد مرور السنوات، والجغرافيا التي صنعت أهمية جبل حبشي ما زالت كما هي.
لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع الانتصار.
فالجبال لا تدافع عن نفسها، وإنما يحميها الإنسان الذي يعرف قيمتها، ويتمسك بأرضه، ويحافظ على تماسكه في أصعب الظروف. وفي هذا السياق، يقف أبناء جبل حبشي وأبناء تعز أمام اختبار جديد، عنوانه الصمود ومنع تحويل مناطقهم إلى ساحة مفتوحة لمزيد من التصعيد.
إن الرهان الحقيقي ليس على ارتفاع جبل أو انحدار وادٍ، وإنما على تماسك المجتمع، وانضباط القوات، ووحدة القرار، وحماية السكان، ومنع الفوضى من التسلل إلى خطوط المواجهة.
ولذلك فإن الدفاع عن جبل حبشي يجب ألا يتحول إلى معركة انتقام أو كراهية، بل إلى معركة دفاع عن الأرض وحماية للمدن والقرى والطرق، مع الالتزام بالقانون الإنساني وحماية المدنيين وتجنيبهم ويلات الحرب.
فكلما اتسعت دائرة المواجهة، أصبحت مسؤولية القوات الموجودة على الأرض أكبر، وأصبح الحفاظ على أرواح المدنيين والمنشآت والممتلكات جزءاً من معنى الانتصار نفسه.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن السيطرة على الأرض لا تُقاس بعدد الهجمات ولا بحجم العتاد وحده. كم من قوة تقدمت ثم اضطرت إلى التراجع؟ وكم من موقع بدا قابلاً للسقوط قبل أن يتحول إلى نقطة صمود؟ وكم من معركة ظن البعض أنها ستُحسم خلال أيام، فإذا بها تمتد أعواماً؟
جبل حبشي واحد من تلك المواقع التي تختبر إرادة المقاتلين وقدرة المجتمعات على الصمود.
ومن القوز والرحبة وقهبان وحمير، إلى الكدحة والطوير وما حولها، تتشكل لوحة ميدانية تؤكد أن أي محاولة لفرض أمر واقع بالقوة ستواجه واقعاً أكثر تعقيداً على الأرض.
وفي المقابل، فإن أبناء تعز لا يحتاجون إلى مزيد من الدماء حتى يثبتوا انتماءهم لأرضهم. ما يحتاجونه هو موقف موحد، وإسناد منظم، وخطاب مسؤول، وقيادة تعرف أن حماية الأرض تبدأ بحماية الإنسان.
إن تعز، التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، تستحق أن تكون معركتها الأخيرة معركة استعادة الأمن والاستقرار، لا بداية لجولة جديدة من الثأر المفتوح.
ولهذا فإن الأنظار تتجه اليوم إلى جبل حبشي، لا باعتباره مجرد جبهة جديدة، وإنما باعتباره اختباراً لقدرة الأطراف المدافعة عن تعز والساحل على الحفاظ على مواقعها ومنع اتساع رقعة الحرب.
قد تتغير خطوط التماس، وقد تتبدل مواقع القوات، لكن حقيقة واحدة لا تتغير: من يملك القدرة على الصمود في الأرض يملك فرصة أكبر لفرض معادلة جديدة في الميدان.
والتاريخ العسكري لا يكتب فقط بأسماء المعارك، بل يكتب أيضاً بأسماء المواقع التي صمدت عندما ظن الآخرون أنها ستسقط.
وجبل حبشي اليوم أمام صفحة جديدة من هذا التاريخ.
صفحة عنوانها: تعز لا تريد حرباً بلا نهاية، لكنها لن تتخلى عن حقها في الدفاع عن أرضها وأمن أهلها.
ومن هنا، فإن معركة جبل حبشي ينبغي أن تكون معركة صمود وانضباط ومسؤولية، لا معركة فوضى وانتقام؛ معركة تثبت أن حماية الأرض يمكن أن تجتمع مع حماية الإنسان، وأن الدفاع عن المدن لا يحتاج إلى خطاب يحرض على الكراهية، بل إلى إرادة سياسية وعسكرية ومجتمعية قادرة على وضع حد للحرب وفتح الطريق أمام السلام.
وما النصر إلا صبرٌ وثباتٌ ووحدة صف.