الخميس 4 يونيو 2026 03:21 مـ 19 ذو الحجة 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
×

جدار الحماية الأخير…صناعة التحصين في مواجهة الانفلات القيمي

الخميس 4 يونيو 2026 05:03 مـ 19 ذو الحجة 1447 هـ
منصور المقبول
منصور المقبول

حين تكشف المؤشرات المجتمعية بين حين وآخر عن تصاعد جرائم الاعتداء والاختطاف وتفشي الأفكار الهدامة فإن العقل المفكر والمسؤول لا يجب أن يقف عند حدود الإدانة أو الاكتفاء بالمعالجة الأمنية اللاحقة على الجريمة بل يتعين عليه الغوص عميقاً في تفكيك البنية التحتية التي أنتجت هذا الانفلات. 

إن قراءة المشهد برمتّه تؤكد أننا لا نواجه مجرد جرائم معزولة أو انحرافات سلوكية عابرة وإنما نقف أمام اختراقات ممنهجة تستهدف النسيج الاجتماعي والأخلاقي مستغلةً حالة الفراغ التوجيهي وهشاشة البناء التربوي لدى بعض الفئات التي باتت صيداً سهلاً للتشوهات الفكرية والسلوكية.

فصناع القرار وقادة الرأي في المجتمع يتحملون اليوم المسؤولية التاريخية في إعادة صياغة الخطاب العام وتوجيهه نحو الأمن الوقائي الشامل 

فالمعركة الحقيقية ليست في ملاحقة الجاني بعد وقوع الكارثة وإنما في تجفيف المنابع التي تغذي هذه النزعات العدوانية والدنيئة في نفوس البعض. 

هذا الأمر يتطلب شجاعة مجتمعية في تشخيص مكامن الخلل وتشديد العقوبات الرادعة ليكون تطبيق القانون علنياً وحاسماً ومزلزلاً لكل من تسول له نفسه انتهاك الحرمات أو العبث بسلامة المجتمع وبالموازاة مع ذلك يجب على المنصات الثقافية والإعلامية التخلي عن دور المتفرج والمساهمة الفعالة في رفع منسوب الوعي المجتمعي ورسم حدود الأمان الحقيقية للجيل الصاعد وتعرية تلك الأفكار الهدامة التي تبدأ بتمرد فكري وتنتهي بجرائم سلوكية مدمرة.

وعلى الجبهة الأكثر أهمية يبرز دور أولياء الأمور بوصفهم حراس القلعة الأولى وصمام الأمان الحقيقي لمنع حدوث هذه الكوارث فالتربية في العصر الراهن لم تعد تقتصر على تأمين المأكل والمشرب بل تحولت إلى جهاد يومي لبناء الحصانة الذاتية داخل نفوس الأبناء. 

إن إهمال الرقابة الواعية وترك الأطفال والمراهقين فريسة لعلاقات غامضة في الواقع أو في العوالم الرقمية دون توجيه أو تحذير هو بمثابة رهن لسلامتهم الجسدية والفكرية لجهات مجهولة ولذلك فإن بناء جسور الثقة والصراحة المطلقة بين الآباء والأبناء وتدريبهم على مهارات الحذر الذاتي ورفض أي تجاوز هو خط الدفاع الأول لمنع وقوعهم ضحايا للاعتداء أو الاستدراج.

إن حماية المجتمع من لوثات الاختطاف والاعتداء والأفكار المنحرفة هي منظومة متكاملة يشترك فيها المشرّع والمفكر والمربي داخل بيته ولا يمكن لأي طرف أن يلقي بالمسؤولية على الآخر. 

إننا بحاجة ماسة اليوم إلى استنفار قيمي يعيد للمجتمع هيبته وللأسرة سلطتها التربوية وللقانون قوته الردعية لنضمن للأجيال القادمة بيئة آمنة تنمو فيها العقول وتسلم فيها الأجساد.