هل تشعر بعدم القدرة على التركيز أو بـ"ضبابية" ذهنية رغم حصولك على قسط كافٍ من النوم؟ قد يكون السبب بسيطاً: نقص السوائل.
فالماء لا يقتصر دوره على ترطيب الجسم فقط، بل يعد عنصراً حيوياً لوظائف المخ والخلايا العصبية. وتشير دراسات حديثة إلى أن الجفاف قد يصعّب بعض المهام الذهنية، ويؤثر على الانتباه واتخاذ القرار والتنسيق الحركي.
ماذا يفعل الماء داخل المخ؟
الماء ضروري لعمل الخلايا العصبية بكفاءة. فهو يساعد في نقل العناصر الغذائية إلى الخلايا، والتخلص من الفضلات، والحفاظ على التوازن الكهربائي اللازم للإشارات العصبية. وعندما يفقد الجسم كمية كبيرة من الماء، لا يقتصر الأمر على الشعور بالعطش، بل قد تمتد التأثيرات إلى الوظائف المعرفية.
الجفاف يجعل المخ "يبذل جهداً أكبر"
كشف تقرير نشرته مجلة -New Scientist- عن تجربة أجريت على 10 طلاب بعد ممارسة تمارين تسببت في فقدان كبير للسوائل. وأظهرت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي -fMRI- نشاطاً أكبر في الشبكة الدماغية المسؤولة عن الانتباه وحل المشكلات أثناء الجفاف.
وفسر الباحثون ذلك بأن المخ يحتاج إلى بذل مجهود إضافي لإنجاز المهمة نفسها عند نقص السوائل، ما يعني أن الأداء الذهني يصبح أكثر استهلاكاً للطاقة.
هل يؤثر الجفاف على اتخاذ القرار؟
في دراسة صغيرة شملت 29 بالغاً خضعوا لاختبارات معرفية بعد 12 ساعة من الامتناع عن الطعام والماء، تبين أن شرب 500 مل من الماء قبل الاختبار حسّن الأداء في بعض اختبارات "الحكم واتخاذ القرار" التي تتطلب تفكيراً متأنياً.
ومع ذلك حذر الباحثون من تعميم النتيجة، مؤكدين الحاجة إلى دراسات أوسع لتأكيد العلاقة بين الترطيب والقدرات الإدراكية.
متى يبدأ الجفاف بالتأثير على الأداء؟
تشير الأدلة إلى أن فقدان أكثر من -2% من وزن الجسم- بسبب نقص الماء قد يؤدي إلى تراجع قابل للقياس في الانتباه والوظائف التنفيذية والتنسيق الحركي.
مثال: الشخص الذي يزن 70 كجم، فقدان 1.4 كجم من السوائل كافٍ لبدء التأثير.
وتختلف الاحتياجات الفردية حسب العمر والطقس ومستوى النشاط والحالة الصحية.
هل "8 أكواب يومياً" قاعدة ثابتة؟
رغم شيوع نصيحة شرب 8 أكواب ماء يومياً، إلا أن دراسة عالمية شملت أكثر من 5000 شخص من عمر يوم وحتى 96 عاماً أظهرت أن معدل دوران الماء يختلف بشكل كبير.
بلغ المتوسط لدى الرجال في العشرينيات والثلاثينيات نحو -4.3 لتر يومياً-، بينما بلغ لدى النساء بين 25 و60 عاماً نحو -3.4 لتر يومياً-.
لكن هذا لا يعني أن كل الكمية يجب أن تأتي من الماء الصافي، فالجسم يحصل على جزء من السوائل من الطعام وعمليات الأيض.
وتزداد الحاجة إلى السوائل في حالات: -الطقس الحار، الرياضة، التعرق الشديد، الحمى، القيء، الإسهال، الحمل والرضاعة-. بينما قد يحتاج مرضى القلب والكلى إلى تنظيم الكمية وفق توجيهات الطبيب.
مؤشرات عملية ونصائح مهمة
-1. لون البول-: البول الفاتح يدل على ترطيب جيد، بينما الداكن قد يشير إلى الحاجة للمزيد من السوائل. لكن لا يعتمد عليه وحده في الحالات المرضية.
-2. الأطفال-: أكثر عرضة للجفاف. دراسة بريطانية وجدت أن 17% من أطفال 9-10 سنوات كانوا يعانون جفافاً في بداية اليوم الدراسي، وارتبط ذلك بتدهور المزاج وضعف الذاكرة.
-3. كبار السن-: تقل لديهم الإحساس بالعطش وكفاءة الكلى في الاحتفاظ بالماء، لذا يحتاجون لشرب السوائل بانتظام.
4. الإفراط مضر: شرب كميات كبيرة جداً في وقت قصير قد يؤدي إلى "نقص صوديوم الدم" وهي حالة خطيرة. الهدف هو الترطيب المتوازن وليس الكمية القصوى.
7 طرق بسيطة للحفاظ على الترطيب
1. -اشرب قبل العطش-: خاصة في الجو الحار.
2. -احمل زجاجة ماء-: وجودها أمامك يذكّرك بالشرب.
3. -عوّض أثناء الرياضة-: وفق مدة وشدة التمرين.
4. -استفد من الطعام-: الفواكه والخضراوات والشوربة مصدر مهم للسوائل.
5. -وفّر الماء للأطفال في المدرسة-: خصوصاً في الأيام الحارة.
6. -راقب كبار السن-: ولا تعتمد على إحساسهم بالعطش فقط.
7. -لا تلتزم برقم ثابت-: احتياجك يتغير يومياً حسب النشاط والطقس.
الخلاصة
الماء ليس مجرد وسيلة لإطفاء العطش. الترطيب الجيد يدعم وظائف الجسم والمخ، بينما قد يجعل الجفاف المهام الذهنية أكثر صعوبة. الرسالة ليست "اشرب 8 أكواب مهما كان"، بل -اشرب بانتظام، وزد الكمية مع الحر والرياضة، وانتبه للأطفال وكبار السن-.