لماذا يتطاير الناس تخوينًا عند أول منعطف؟
أو غياب المحاسبة يدفع المواطن إلى إقامة محكمته
منذ سنوات وأنا أسأل نفسي عن سبب التذمر والتشكي والتشاكي والتخوين والتخوين المضاد، وسرعة الاتهام بالتخاذل في صفوف القوات الحكومية، وفي تعز على وجه التحديد.
هناك أسباب كثيرة بالطبع. وعلى كل حال، أرى، وربما نرى، أن الأمر خاص بالحكومة الشرعية، ولا نراه كذلك في صفوف الحوثي.
والسبب يعود إلى أن خيارات خوارزميات وسائل التواصل تحصر الناس في فقاعات انتقائية تحول دون الدخول في تقاطعات عميقة داخل المجتمع، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، هناك غياب لمراكز رصد متخصصة تدرس أشكال التفاعل في القطاعين وتقدم خلاصات رصينة.
لنعد إلى الموضوع.
لماذا هذه الحالة من الهلع والجزع، وبالطبع "الجزع المدفوع والعقائدي"، كما يقول صديقي أيمن نبيل؟ ولماذا يتطاير الناس تخوينًا وهلَعًا وشكوى عند أول منعطف من المواجهات؟
سببها أولًا أن وسائل التواصل عملت على التداخل بين الواقع والافتراضي، وأشركت البعيد بالمعاش إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما، وأدمجت زمنين بشكل سحري: زمنًا معاشًا وزمنًا افتراضيًا، وقرّبت بين الأشجان والأحزان والمخاوف والأفراح إلى حد التضخم.
والسبب الثاني هو أن الفضاء الأزرق وسيولة المعلومة أضافا للفرد قدرات أخرى، وجعلتاه فرداً مزيداً ممتداً أكثر قدرة على جمع المعطيات والمعلومات والمعرفة، وبالتالي على الحكم والتقرير.
كل واحد منا أصبح خبيرًا في كل شيء. لديه وصول إلى الخرائط ومعلومات عن السلاح والاستراتيجيات وطبيعة المعارك، ويمكنه عقد مقارنات تاريخية.
والآن، مع الذكاء التوليدي، كل فرد يستطيع أن يستدعيه ليكتب له تحليلات دقيقة، فيرى نفسه معها قائد أركان لجيوش العالم.
هذه الأنا المتضخمة، العارفة، الخبيرة، القادرة، مع تَضخّم المشاعر ـ وبالطبع هناك إحباط حقيقي وإحباط مفتعل، وخوف حقيقي وخوف مفتعل، وحرص حقيقي وحرص مفتعل، وجزع صادق وجزع مفتعل ومتشفٍّ ـ تقود إلى تداخل الأدوار. الكل يريد أن يكون في كل مكان ويفعل كل شيء.
أما في تعز، فلأنها تدفع أعلى أثمان هذه الحرب. فلا اكتمل التحرير، ولا استُرجعت الأرض، بل انتهى الأمر إلى تقسيم المحافظة إلى ثلاثة قطاعات.
تعز نزفت من أول يوم، وحوصرت كما لم تُحاصر أي محافظة أخرى. حوصرت من كل الاتجاهات. ومع مضي عشر سنوات، ما تزال مفصولة عن الخدمات وعن بناء الأمن والجيش.
تعز تشعر أنها تتعرض لعقاب مزدوج: عقاب لأنها رفضت تحالف الحوثي وصالح، وعقاب لأنها مدينة الحزبية، وتهمتها جاهزة. وعقاب لأن أحزابها دون مستوى المسؤولية. تعز محاصرة بأنانية أحزابها، كما هي محاصرة بالحرب.
لكن هذا لا يكفي لفهم هذه الحالة.
هناك مشكلة أعمق وأدق، وهي سلوك الحكومة في السنوات الماضية، والتي غابت عنها المحاسبة.
بل كان المتجاوز يُكافأ.
وإذا غابت المحاسبة الرأسية، تحضر المحاسبة الأفقية. طالما لم نسمع بإقالات المقصرين، ومحاكمة المتلاعبين، ومعاقبة المسيء، وطالما لم يشعر المواطن أنه أمام سلطة يثق بها، ويعرف حدود العبث والفساد، وأن هناك حدودًا لا يمكن تجاوزها في العبث، وأن فوق كل مسؤول مسؤولًا آخر يحاسبه ويقيّد عبثه؛ وطالما لم يوقن المواطن أن الحكومة فوق التناقضات الحزبية والجهوية، وأنها تدير المعركة بأفق أكبر من المماحكات الحزبية والضغائن الجهوية والحروب البينية الضحلة، فسيذهب إلى عقد محكمته الخاصة، ويمضي بإرادته الغاضبة إلى محاكمة هذا واقتلاع ذاك.
يندفع الناس إلى محاكمة الفاعلين المسؤولين لأنهم يدركون أن العدالة غائبة، وأن التسلسل الهرمي للمسؤولية محطم ومفقود.
باختصار، غياب المحاسبة والضبط والربط الرأسي يعمل على توزيع المحاسبة أفقيًا.