دقّ دق… سبعتين: حين أخطأ الحوثي الحساب مرتين

قبل 50 دقيقة


موسى المليكي
ارشيف الكاتب

في الحروب، لا تكفي الشجاعة، ولا تكفي كثرة السلاح، ولا يكفي أن تملك القدرة على إزعاج خصمك لأسابيع أو أشهر. الحرب في جوهرها معركة حسابات: ماذا سيفعل الخصم؟ كيف سيرد؟ من سيبقى إلى جانبك عندما تبدأ المعركة الحقيقية؟ وأين ستكون نقطة الانهيار إذا أخطأت في تقدير ميزان القوى؟

ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة ما يبدو أنه خطآن كبيران في الحساب الحوثي.

الأول أن الحوثيين تعاملوا مع عامل الوقت كما لو أنه يعمل لمصلحتهم وحدهم. راهنوا على أن الضغط العسكري والسياسي سيقود السعودية إلى استجابة سريعة لمطالبهم، وأن نافذة التصعيد ستظل مفتوحة بما يكفي لفرض وقائع جديدة على الأرض.

لكن ما حدث أن الوقت لم يكن محايدًا.

خلال فترة التصعيد، كان الطرف الآخر يعيد ترتيب أوراقه، ويعزز دفاعاته، ويعيد بناء قدراته العسكرية، فيما كانت القوات اليمنية المناهضة للحوثيين تستفيد من هذا الوقت لتطوير جاهزيتها. وهكذا تحولت الساعة التي ظن الحوثي أنها تعمل ضده إلى ساعة تعمل ضده هو.

وهذه هي المفارقة الأولى.

الخصم لم يتجمد في مكانه.

الخطأ الثاني، وربما الأكثر حساسية، كان في تقدير موقف القوات الجنوبية.

يبدو أن الحساب الحوثي افترض أن الخلافات السياسية، والخطاب الانفصالي الغاضب تجاه بعض سياسات السعودية، والتباينات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، يمكن أن تنتج حالة من الحياد أو التردد الجنوبي عند لحظة الاختبار.

وهذا رهان بالغ الخطورة.

فالتباين السياسي لا يعني بالضرورة تغيير العدو والصديق في الميدان. والخصومة مع الرياض لا تعني تلقائيًا قبول مشروع الحوثي. وبين الاعتراض السياسي على طرف، والانحياز العسكري إلى الطرف الآخر، مسافة هائلة لا يدركها إلا من يعرف تعقيدات اليمن جيدًا.

ربما كان الخطأ أن الحوثي قرأ الخلافات السياسية باعتبارها تفككًا عسكريًا.

لكن الميدان له منطقه الخاص.

وهنا تظهر ألوية العمالقة بوصفها واحدة من أكثر القوى خبرة في مواجهة الحوثيين، بما تملكه من سجل قتالي وتراكم ميداني. ويبرز في هذا السياق اسم القائد حمدي شكري، الذي ارتبط اسمه بمعارك سابقة ضد الحوثيين، خصوصًا في جبهات شبوة وجنوب مأرب في مطلع عام 2022.

المفارقة اللافتة أن قائدًا واجه الحوثيين في الشرق، يجد نفسه اليوم في مواجهة الحوثيين في الغرب.

وكأن الجغرافيا اليمنية نفسها تعيد تدوير المعارك، لكن مع تبدل المواقع والأدوار.

في شبوة ومأرب، كانت المعادلة مختلفة. واليوم، في الساحل الغربي ومحيط باب المندب، ثمة حسابات أخرى، لأن هذه المنطقة ليست مجرد جبهة عسكرية عادية.

باب المندب ليس تفصيلًا جغرافيًا.

إنه واحد من أكثر المواقع حساسية في المعادلة اليمنية والإقليمية والدولية. ومن يقترب من هذه المنطقة لا يقترب من قرية أو مديرية فقط، بل من عقدة تتقاطع عندها الجغرافيا بالاقتصاد والأمن والسياسة الدولية.

ولهذا فإن تحويل المعركة إلى محاولة لصناعة نصر حاسم هناك يحمل مخاطرة استثنائية.

فقد يستطيع الحوثي فتح جبهة، لكنه لا يستطيع أن يضمن وحده شكل النهاية.

وقد يستطيع إرباك خصومه، لكنه لا يستطيع أن يفترض أن جميع خصومه سيبقون في مواقعهم السابقة بينما هو يوسع المعركة.

وهنا يعود السؤال إلى أصل الحكاية:

هل أخطأ الحوثي في قراءة خصومه؟

إذا صح هذا التقدير، فالمشكلة ليست في معركة واحدة، وإنما في سلسلة من الافتراضات التي بُنيت فوق بعضها.

افتراض أن السعودية ستستجيب سريعًا.

ثم افتراض أن الوقت سيبقى في صالح الحوثيين.

ثم افتراض أن القوات المناهضة لهم ستبقى منقسمة.

ثم افتراض أن الخلافات الجنوبية ـ السعودية ستتحول إلى حياد جنوبي.

ثم افتراض أن القوات التي سبق أن واجهت الحوثيين بنجاح لن تكون مستعدة لتكرار التجربة في جبهة أخرى.

وفي السياسة كما في الحرب، عندما تتراكم الافتراضات الخاطئة، لا تعود النتيجة خطأً صغيرًا في الحساب.

تصبح خطأً استراتيجيًا.

ولعل العبارة الشعبية الساخرة التي قد تختصر المشهد كله هي: «دق دق… سبعتين».

ليس لأن الحرب لعبة، وإنما لأن من يدخل معركة بهذا الحجم لا يملك رفاهية أن يخطئ مرتين في تقدير رد الخصم.

الأخطر أن الخطأ الثاني قد يكون أكثر كلفة من الأول.

فالجنوب ليس كتلة سياسية واحدة، والخلافات الداخلية فيه حقيقية، والمواقف من السعودية ليست نسخة واحدة، لكن ذلك كله لا يعني أن القوى الجنوبية ستنظر إلى الحوثي باعتباره خيارًا بديلًا.

والحوثي يعرف ذلك أكثر من غيره.

لقد خاض سنوات طويلة من الحرب مع قوى جنوبية مختلفة، ويعرف أن ذاكرة المعارك لا تختفي بسبب خلاف سياسي عابر.

لذلك، فإن الرهان على «الخصومة مع السعودية» باعتبارها مدخلًا لتحييد الجنوب قد يكون من أكثر الرهانات خطورة.

فالعدو المشترك قادر أحيانًا على تأجيل الخلافات، حتى لو لم يلغها.

ومن هنا تبدو المفارقة اليمنية القديمة متجددة: قد يتفق المختلفون على أشياء قليلة جدًا، لكنهم يستطيعون أن يتفقوا على شيء واحد عندما يرون خطرًا أكبر يقترب منهم.

وإذا كان الحوثي قد تصور أن الانقسامات ستمنحه طريقًا أسهل، فقد يكتشف أن الانقسامات نفسها يمكن أن تتحول، عند لحظة الخطر، إلى جبهات متعددة في وجهه.

ثم تأتي المشكلة الأخرى: الاعتقاد بأن الانتصارات السابقة يمكن استنساخها حرفيًا.

المعارك لا تتكرر بالشكل نفسه.

شبوة ليست مأرب، ومأرب ليست الساحل الغربي، والعدو الذي واجهته بالأمس ليس بالضرورة العدو الذي ستواجهه غدًا، حتى لو حمل الاسم نفسه.

القوة التي تنتصر في ظرف معين قد تخسر في ظرف آخر، والعكس صحيح.

لكن الأخطر هو أن يعتقد القائد أن نجاحه السابق يمنحه وصفة جاهزة للانتصار المقبل.

وهنا ربما وقع الحوثي في فخ التجربة نفسها.

ربما ظن أن ما حدث في جبهة سابقة يمكن إعادة إنتاجه في جبهة جديدة.

لكن الميدان لا يحترم الذكريات.

ولا يعترف بتاريخ الانتصارات إلا بقدر ما يستطيع أصحابها استخدامه في المعركة الجديدة.

ولهذا فإن انتقال حمدي شكري ورجال العمالقة من جبهة إلى أخرى يحمل دلالة رمزية تتجاوز حركة الوحدات العسكرية نفسها: خصم تعرفه جيدًا قد ينتظرك في مكان لم تتوقع أن تجده فيه.

وهذه تحديدًا إحدى مشاكل الحرب الطويلة.

كل طرف يعرف الآخر أكثر مما يعتقد.

الحوثي يعرف خصومه، لكن خصومه يعرفونه أيضًا.

يعرفون طريقة تفكيره، ومواطن قوته، ونقاط ضعفه، وكيف يتصرف عندما يضغط، وكيف يحاول تحويل الضغط العسكري إلى مكسب سياسي.

ولذلك فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط على الأرض.

ستكون أيضًا معركة رواية.

سيحاول كل طرف أن يقول إن ما يحدث انتصار له، وإن ما يفعله الخصم دليل ضعف.

لكن الحقيقة لا تُقاس بالبيانات.

تُقاس بالقدرة على الاحتفاظ بالمواقع، واستمرار الإمداد، وتماسك القوات، وحجم الخسائر، وقدرة كل طرف على منع الآخر من تحقيق أهدافه.

ومن هنا يجب الانتباه إلى شيء بالغ الأهمية:

الخطأ العسكري لا يصبح قاتلًا بسبب المعركة وحدها، وإنما عندما يأتي بعد خطأ سياسي.

إذا أخطأت في تقدير رد السعودية، ثم أخطأت في تقدير موقف القوات الجنوبية، فقد تجد نفسك أمام معادلة لم تكن موجودة عندما بدأت التصعيد.

خصوم أكثر استعدادًا.

جبهات أكثر نشاطًا.

وقت أقل للمناورة.

وضغط سياسي متزايد.

وعندما تبدأ هذه العناصر في العمل معًا، يصبح هامش المناورة أضيق بكثير.

وفي هذه اللحظة تحديدًا يبدأ المجتمع الدولي في رفع صوته.

سيعود الحديث عن الخوف من التصعيد.

وسنسمع تحذيرات من تدهور الوضع الإنساني.

وسيتكرر خطاب المبعوث الأممي عن ضرورة العودة إلى المسار السياسي.

وقد تتدفق الدعوات إلى وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، واستئناف المفاوضات.

وكل ذلك مشروع ومطلوب من الناحية الإنسانية.

لكن المشكلة أن الحوثيين، كما خصومهم، يجب أن يدركوا أن السلام لا يُصنع بتحويل كل معركة إلى ورقة ابتزاز.

فالطريق إلى التسوية لا يمر عبر الاعتقاد بأن الطرف الآخر سينهار أولًا.

ولا يمر عبر اختبار صبر الإقليم.

ولا عبر المراهنة على انقسام اليمنيين.

ولا عبر تحويل الموانئ والممرات الدولية إلى ساحات لتصفية الحسابات.

اليمن دفع ثمنًا هائلًا بسبب الحسابات الخاطئة.

والذين يعتقدون أن بإمكانهم فرض نهاية الحرب بقوة السلاح وحدها ربما يكتشفون أن الحرب تستطيع أن تبدأ بقرار واحد، لكنها لا تنتهي بالطريقة التي يتخيلها صاحب القرار.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

قد يكون الحوثي دخل هذه الجولة وهو يعتقد أنه يملك زمام المبادرة.

لكن المبادرة شيء، والقدرة على التحكم في النتائج شيء آخر.

قد تفتح باب المعركة، لكنك لا تملك وحدك مفاتيح إغلاقها.

وقد تراهن على أن خصمك سيرتبك، فإذا به يعيد ترتيب صفوفه.

وقد تراهن على أن خصومك سيختلفون، فإذا بهم يتفقون على مواجهتك.

وقد تراهن على أن تجربة الأمس ستتكرر، فإذا بالميدان يفاجئك بتجربة مختلفة تمامًا.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي الآن ليس: من بدأ المعركة؟

السؤال هو:

من أخطأ في حساب نهايتها؟

وربما تكون الإجابة، إذا استمرت التطورات على هذا المسار، أكثر وضوحًا مما يتوقع كثيرون.

ففي اليمن، حيث تتغير الخرائط أسرع من البيانات السياسية، قد يكون الخطأ الأول قابلًا للتصحيح.

أما الخطأ الثاني، إذا جاء في اللحظة والمكان الخطأ، فقد يتحول إلى نقطة انعطاف.

وعندها لن تكون عبارة «عبده غلط في الحساب» مجرد نكتة شعبية.

قد تصبح عنوانًا لمرحلة كاملة.

مرحلة اكتشف فيها الحوثي أن خصومه لم يكونوا نائمين، وأن الخلافات بينهم لم تكن بالضرورة هدية مجانية له، وأن القوة التي سبق أن واجهها في الشرق يمكن أن تظهر له في الغرب.

وفي الحروب الطويلة، أخطر ما يمكن أن يحدث للقائد ليس أن يخسر معركة.

بل أن يدخل المعركة وهو واثق من أنه لا يمكن أن يخسرها.