عندما يلوح الحرس الثوري الايراني "بالضربة الاستباقية" -التي يقصد بها تحسين موقفه في معادلة الحرب والتفاوض- فإن عينه كانت قد استقرت ، منذ فترة ، على الممر الملاحي الدولي الهام "باب المندب" .
والواقع أن قراره بتنفيذ هذه الضربة قد اتخذ بدءًا بتدمير صواريخه ومسيراته ميناء المخا كمؤشر على أن الضربة ليست مجرد مناوشة عادية ، ولكنها معركة لا بد أن تنتهي إلى نتيجة بحساباته.
هكذا بدا الأمر من خلال سير المعارك في مختلف مواقع هذه الجبهة الهامة ، وما كشفته الوقائع من تحضير وإعداد ، وتوجيهات صارمة لذراعه " الحوثي" الذي راح يزج بأرتال وراء أرتال من المليشيات والمجندين وغيرهم ممن تم حشدهم بوسائله المعروفة الى جبهة القتال ، وأخذ يمطر المدن والقرى والتجمعات السكانية والمدنيين العزل بالصواريخ والمسيرات والمدفعية الثقيلة والكاتيوشا ، ويلغم الأرض ، لتحقيق انتصار ايراني خاطف يفاجئ به العالم .
كان الحرس الثوري الايراني يريد بذلك أن يضع المنطقة والعالم فوق خازوق آخر ليتسنى له فرض معادلة عسكرية وسياسية بواسطة المضايق والممرات البحرية العالمية . لكنه اكتشف أن من راهن عليهم لانجاز هذه المهمة لم يكونوا بمستوى ما انفقه عليهم من موارد الشعب الايراني الذي يتضور جوعًا وبؤسًا ، وأن المؤهلين للنصر هم الذين يدافعون عن تراب أوطانهم لا الذين يبيعون سيادته .
كل ما يمكن قوله اليوم، وحتى هذه اللحظة ، هو أن " الضربة الاستباقية" التي نفذتها إيران في أرض اليمن ، وبدماء اليمنيين، لتغيير المعادلة لصالحها قد تم التصدي لها ، وانحسرت خائبة .
تصدت الدولة اليمنية ، جيشًا وشعبًا وحلفاء أشقاء لهذه المهمة بنجاح كبير .
إن الدرس الذي تقدمه هذه المعركة يكمن في القيمة الحقيقية للدولة في استقرار المنطقة وشعوبها ، ذلك أن الدولة هي وحدها من يحمي ويدافع عن مصالح الشعب ، وهي من يعول عليها في حماية واحترام مصالح دول الجوار والعالم . وأن الجار الذي يقدر هذه القيمة لن يقف إلا مع الدولة حينما يتعين عليها أن تواجه مثل هذا الخطر الذي يتعرض له اليمن ومصالحه وجغرافيته وممراته الملاحية ، وهو ما يُنتظر من المجتمع الدولي الذي لا بد أنه يدرك أن الدولة هي الوحيدة القادرة على احترام وحماية مصالحة مع ما يرتبه ذلك من موقف عملي إيجابي لحماية باب المندب ، كي لا يصبح هرمزًا آخر .