في ظل نزيف بشري مستمر وتراجع حاد في الحاضنة الشعبية، تعيش أروقة القيادة العليا لمليشيات الحوثي حالة من الاستنفار غير المسبوق. المعطيات القادمة من صنعاء تشير إلى تحركات سرية وتوصيات استخباراتية عاجلة لتغيير قواعد الاشتباك وتوسيع مسرح العمليات العسكرية داخل اليمن، في محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من "هيبة" الجماعة وثقة أنصارها.
علمت مصادر أمنية وعسكرية يمنية ، أن دوائر صنع القرار داخل المليشيات تناقش بجدية بالغة حزمة من الخطط العسكرية الهجومية تمهيداً لتنفيذها خلال المرحلة القليلة المقبلة. وتأتي هذه التحركات كرد فعل مباشر على الخسائر البشرية والعسكرية الفادحة التي منيت بها الجماعة مؤخراً، والتي عصفت بصورتها أمام حواضنها المجتمعية.
أغسطس الدامي.. نزيف القيادات والعناصر
بلغ التصعيد الميداني ذروته خلال شهر أغسطس/آب المنصرم، والذي وصف بأنه من الأشهر الأشد قسوة على المليشيات. فقد تكبدت الجماعة فاتورة باهظة تمثلت في مقتل ما لا يقل عن 153 من عناصرها وقياداتها الميدانية البارزة، إلى جانب مئات الجرحى الذين سقطوا في محاور قتالية متعددة، وهو ما أحدث هزة عنيفة في أوساط مقاتليها وعائلاتهم.
انقلاب المزاج العام: متلازمة "لبنان وإيران"
تؤكد المصادر ، التي فضلت حجب هويتها لحساسية الموقف، أن هذه التحركات لم تأتِ من فراغ، بل بناءً على توصيات أمنية عاجلة رفعتها أجهزة المخابرات الحوثية للقيادة العليا.
وكشفت التقارير الأمنية المرفوعة عن "تغير جذري ومقلق في المزاج العام اليمني"، وتراجع حاد في ثقة الأوساط القبلية والمجتمعية بقدرة المليشيات على الصمود في أي معركة مرتقبة.
هذا التحول العميق في القناعات الشعبية، بحسب التقييم الاستخباراتي الحوثي، بدأ يتبلور بشكل واضح منذ مقتل زعيم حزب الله "حسن نصرالله" في سبتمبر 2024، وتصاعد مع توالي الضربات في الإقليم. واليوم، أصبح الشارع اليمني، خاصة في مناطق سيطرة المليشيات شمالاً، يتحدث بصوت مسموع عن أن مصير قيادات الحوثي وقواتهم لن يكون بأفضل حال مما حدث لحلفائهم في طهران وجنوب لبنان وسوريا.
وصنفت استخبارات المليشيات هذا السخط الشعبي المتصاعد بأنه "الأخطر والأكثر حدة" منذ المعركة الشهيرة التي اندلعت في 2 ديسمبر/كانون الأول 2017 بين الحوثيين والرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح.
الهروب إلى الأمام.. خطة الجبهات الثلاث
أمام هذا التآكل الداخلي، وضعت القيادات الأمنية الحوثية روشتة حلول تعتمد على مسارين:
المسار الأول (القمع الداخلي): أوصت التقارير بفرض قيود حديدية ورقابة صارمة على الخطاب العام، وتجريم أي تفاعل علني مع حالة السخط، حتى وإن اقتصر الأمر على منصات التواصل الاجتماعي.
المسار الثاني (التصعيد العسكري): وهو الأهم، حيث أوصت المخابرات بضرورة إحداث اختراق ميداني والسيطرة على مساحات جغرافية جديدة داخل "المحافظات المحررة". الهدف من هذا التحرك هو صناعة "نصر معنوي واعلامي" يعيد الثقة للشارع بقدرة صنعاء على المواجهة.
وبحسب مصادر، فقد تم وضع جبهات تعز، الساحل الغربي، والضالع على رأس بنك الأهداف المفترضة. وتسعى المليشيات لتحقيق أي تقدم ميداني في هذه الجبهات، ولو كان محدوداً وبسيطاً، لاستثماره فوراً في الماكينة الإعلامية لرفع الروح المعنوية المنهارة لعناصرها.
ارتباك وضربات استباقية
تأتي هذه التسريبات والتخبطات الحوثية في وقت تشهد فيه الساحة اليمنية تصعيداً غير مسبوق. فقد حاولت المليشيات مؤخراً استهداف المدن المحررة، وتحديداً مدينة المخا، بمئات الصواريخ والطائرات المسيرة.
إلا أن دخول سلاح الطيران المسير التابع للجيش والمقاومة اليمنية على خط المواجهة في عدة جبهات، أسفر عن توجيه ضربات استباقية موجعة كبدت المليشيات خسائر فادحة، وأربكت تماماً خططها الهجومية التي كانت تعول عليها لإنقاذ موقفها المتأزم، وفقاً لتقديرات المراقبين العسكريين.