هل سيحافظ الدولار الأمريكي على مكانته أم سيواصل تراجعه؟

انخفضت قيمة الدولار الأمريكي الذي لطالما اعتُبر ركيزة للاستقرار وأصلًا آمنًا بنحو 15% منذ أن وصل لأعلى مستوياته فى سبتمبر 2022، ولكن في ظل السياسات الأمريكية الأخيرة التي تستمر فى تحدى قيمته، يُطرح سؤالٌ جوهري: هل الدولار الأمريكي سيفقد مكانته كملاذ آمن؟، في هذا المقال سنتعمق في العوامل الدافعة وراء تراجع الدولار وسنتحدث عن العواقب المحتملة على المستثمرين والاقتصاد العالمي.
عندما يكون هناك عدم يقين أو مخاطرة، يلجأ الناس عادةً إلى الدولار الأمريكي كخيار آمن، ومع ذلك، هناك بعض الشكوك حول إمكانية استمرار اعتبار الدولار خيارًا آمنًا، فعلى المدى القصير، قد يستمر الدولار الأمريكي في الانخفاض مع تزايد النظرة السلبية لدى الكثيرين إلى آفاقه، ويعود ذلك جزئيًا إلى المخاوف بشأن قرارات صانعي السياسات غير المتوقعة وتزايد الضغوط المالية، ولكن على المدى البعيد، قد يتبع الدولار الأمريكي مسارًا مشابهًا لرئاسة ترامب الأولى، عندما انخفضت قيمته بنسبة 10% في السنة الأولى، وبدأ يتعافى مع التحول إلى سياسات داعمة للنمو قبيل انتخابات التجديد النصفي.
على المدى القصير: تراجع الدولار الأمريكي
حتى انتخابات 5 نوفمبر 2024 وما بعدها، شهد الدولار الأمريكي موجة متجددة من القوة، ويرجع ذلك إلى ترقب الأسواق بفارغ الصبر أن يوسّع الرئيس "دونالد ترامب" من نطاق استثناء الأصول الأمريكية من خلال سياسات داعمة للنمو مثل تحرير الاقتصاد وزيادة كفاءة الحكومة وتخفيضات ضريبية إضافية على الشركات، لكن هذا التفاؤل بدأ يتلاشى عندما برزت سياسات تجارية عدوانية تستهدف شركاء تجاريين رئيسيين بشكل متزايد، وقد أدى عدم استقرار السياسات التجارية والذي بلغ ذروته بإعلان ترامب عن فرض تعريفات جمركية متبادلة فى "يوم التحرير" فى 2 أبريل، إلى موجة تالية من ضعف الدولار الأمريكي السريع بأكثر من 10%.
انتشر الشعور السلبي تجاه الدولار الأمريكي مقابل اختصارات العملات الأخرى في الأسواق، حيث شكك المستثمرون في طابعه كملاذ آمن، خاصةً وأن العملة انفصلت عن أسعار الفائدة الأمريكية في أعقاب صدمة يوم التحرير، وقد أدت تطورات أخرى مثل مشروع القانون الكبير الجميل مؤخرًا الذي عزز عجز الموازنة المرتفع ومسار ديون غير مستدام، والضغوط المستمرة علي البنك الاحتياطى الفيدرالى لتخفيض سعر الفائدة، إلي تقويض ثقة المستثمرين تجاه الدولار الأمريكي، لذلك، نعتقد أن الدولار الأمريكي دخل سوق هبوطية طويلة الأجل تعززها سياسات تتخطي الضوابط والتوازنات، وتقلص الثقة فى الأصول الأمريكية وتهدد فى نهاية المطاف من قيمة الدولار.
تحديات وضع الدولار الأمريكي كملاذ آمن
في الآونة الأخيرة، لم تشهد قيمة الدولار الأمريكي ارتفاعًا عندما أصبحت الأسواق المالية متقلبة، وقد أثار ذلك الشكوك تجاه وضع الدولار الأمريكى كملاذ آمن، ومع ذلك، وبالنظر إلى التاريخ، فليس من غير المألوف أن يفقد الدولار الأمريكي قيمته عندما تكون الولايات المتحدة سببًا لزيادة عدم اليقين، لقد أثرت "صدمة التعريفات" التي فرضها دونالد ترامب في "يوم التحرير" في الثاني من أبريل على الاقتصاد الأمريكي أكثر من غيره من الدول مما ساهم فى تباطؤ الدولار الأمريكي.
عادةً ما لا تظهر فكرة أن الدولار الأمريكي استثمار آمن إلا عندما يتباطأ الاقتصاد العالمي أو يدخل فى حالة ركود، ومن الأمثلة الجيدة علي هذا الأزمة المالية لعام 2008 والتى بدأت فى الولايات المتحدة، فى البداية، فقد الدولار الأمريكي قيمته ولكن مع انتشار الأزمة عالميًا ارتفع سعره في النهاية مُظهرًا خصائصه كملاذ آمن، لذا، فبينما قد لا يتصرف الدولار الأمريكي دائمًا كملاذ آمن، إلا إنه يميل إلي ذلك في حالة تعرض الاقتصاد العالمي لضغوط.
لكي يفقد الدولار الأمريكي وضعه كملاذ آمن، يجب اتباع المزيد من السياسات التى تُقوّض العوامل التي تجعله مستقرًا وجديرًا بالثقة، وبالتحديد السياسات التى تُضعف المؤسسات وتُهدد حقوق الملكية، وعلى ما يبدو أن منهج الرئيس ترامب فى اتخاذ القرارات، والذى في الغالب ما يقوم باستخدام الأوامر التنفيذية ويتعدي على المؤسسات التقليدية، يفاقم من خطر زعزعة استقرار النظام الأمريكي، ويعد هذا النهج تهديد لسمعة الدولار الأمريكي باعتباره استثماراً آمناً وموثوقاً.
على المدى المتوسط: مزيد من الضعف في المستقبل
حتي الآن، أدي انخفاض قيمة الدولار الأمريكي بنسبة 15% تقريبًا إلى تراجع قيمته المرتفعة سابقًا، وبرغم ذلك فإن العملة لا تزال قيمتها مرتفعة، مما يشير إلى وجود مجال أكبر للانخفاض، نعتقد أن هناك امكانية لمزيد من الانخفاض في قيمة العملة للأسباب الآتية:
1 .السياسات المتقبلة للرئيس ترامب
قد تستمر سياسات الرئيس ترامب المتقلبة ولا يزال انعدام الثقة بالأسواق قائمًا، ومن المرجح أن يواصل ترامب الضغط على شركائه للتنازل عن الصفقات من خلال إثارة المشاكل الاقتصادية، تخف هذه الرياح المعاكسة للدولار الأمريكي مع تراجع حساسية المستثمرين تجاه إعلانات السياسات حيث يعتقد البعض أن ترامب دائمًا ما يتراجع، هناك أيضًا فرصة جيدة لأن تُسفر المرحلة النهائية من ملحمة الرسوم الجمركية عن صفقات تجارية تُفضي إلى رسوم جمركية متبادلة أقل بدلًا من أسوأ السيناريوهات، بشكل عام، نتوقع أن يظل احتمال ظهور المزيد من الأخبار السيئة التي تُسبب التقلبات أعلى مما يأمله العديد من المشاركين في السوق، من المرجح أن يستمر هذا في حرمان الأصول الأمريكية من ميزتها الاستثنائية ويحافظ على انعدام الثقة العام بالدولار الأمريكي.
2 .تغير تركيز المستثمرين
تغير تركيز المستثمرين بشكل حاسم إلي الجانب المالى، فمع استمرار قانون OBBBA الذي يُبقي الضغوط المالية مرتفعة قد يصبح الاحتفاظ بالدين الحكومي الأمريكي أقل إقبالًا في نهاية المطاف، حتى مع وجود عدد محدود من أصول الملاذ الآمن البديلة، ويزيد اتساع العجز العام الكبير وارتفاع عبء أسعار الفائدة الكبير من الضغط علي الاحتياطى الفيدرالى لتخفيض سعر الفائدة، مما يُقلل من ميزة سعر الفائدة التى لا يزال الدولار الأمريكى يدعمها، وقد تُبقي هذه الآليات انعدام الثقة في الأصول الأمريكية والدولار الأمريكي عند مستويات مرتفعة.
3 .يُسهّل عجز الموازنة الأمريكية وعجز الميزان التجاري إضعاف الدولار
يُسهّل هيكل "العجز المزدوج" في الولايات المتحدة (عجز الموازنة الأمريكية والعجز التجارى معًا) إضعاف الدولار الأمريكي عندما لا تُعوّض تدفقات الاستثمار الواردة التدفقات الخارجة الهيكلية.