الأحد 7 يونيو 2026 07:23 صـ 22 ذو الحجة 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
×

الشرعية بين الإستمرار والسقوط (1-2)

الأحد 7 يونيو 2026 08:24 صـ 22 ذو الحجة 1447 هـ
صالح الجبواني
صالح الجبواني

 

بعد عشر سنوات من الأزمة والحرب، لم تعد الشرعية في اليمن حقيقة سياسية وقانونية مستقرة، بل أصبحت سؤالاً مفتوحاً على الفهم والمراجعة وإعادة التعريف.
فالشرعية التي دخلت الحرب باعتبارها مرجعية سياسية وقانونية واضحة، لم تعد كما كانت، بل تبدلت وظائفها وتغيرت صورتها، وأصبحت بحاجة إلى إعادة فحص وتعريف قبل الدفاع عنها أو معارضتها.

وهنا يمكن صياغة السؤال التأسيسي على النحو التالي:
هل ما تزال الشرعية في اليمن سلطة سيادية مكتملة، أم صارت إلى حكومة منفى، أم صيغة ثالثة هجينة قائمة على الاعتراف الخارجي ومجتزأة الحضور الداخلي وغير مكتملة السيادة، وكيف يمكن فهم مسارها وإلى أين تتجه؟

تبدو الشرعية في الحالة الراهنة أقرب إلى الصيغة الثالثة، لا بوصفها صيغة مُكتملة ومُحكمة ومستقرة، بل باعتبارها نتاجاً لمسار تراكمي أنتجه الصراع أكثر مما أنتجته النصوص الدستورية.
فهي لم تعد سلطة سيادية مكتملة تنتج القرار من داخلها، ولا هي حكومة منفى بالمعنى الكلاسيكي، إذ لم تنقطع تماماً عن الداخل ولم تفقد أثرها فيه. لكنها في الوقت ذاته لم تعد قادرة على تجسيد نفسها كسلطة موحدة تحتكر القرار وتمارس وظائف الدولة بصورة كاملة.
وهكذا نشأت حالة هجينة: شرعية قائمة على اعتراف خارجي يمنحها الاستمرار، مقابل حضور داخلي مجتزأ تتقاسمه سلطات متعددة وسلطات أمر واقع تتوسع مع الزمن.

غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في هذا الوضع بحد ذاته، بل في قابليته للتحول من حالة استثنائية إلى بنية مستقرة. فمع امتداد الزمن، تتآكل الحدود بين الاستثناء والقاعدة، ويتحول البقاء نفسه إلى معيار للشرعية، بدلاً من الفعل السياسي الذي يُفترض أن يمنحها معناها.

ومع هذا المسار يتراجع مفهوم الشرعية بوصفها مركزاً سيادياً جامعاً، لصالح تعدد مراكز الفعل على الأرض، حيث تنشأ سلطات مختلفة تمارس الحكم فعلياً، وتستمد مشروعيتها من السيطرة لا من النص الدستوري المؤسس.
وفي هذه اللحظة تتحول الشرعية من مصدر للسلطة إلى غطاء لها، ومن أصل للحكم إلى إطار يجاوره لا يهيمن عليه، وتتحول الدولة إلى مظلة لتوازنات معقدة تنال من وحدتها ووظيفتها السيادية، بدلاً من أن تكون مركزاً لسلطة واحدة جامعة.
ومع مرور الوقت لا يعود السؤال: من يمثل الشرعية؟
بل: أين تتمثل الشرعية فعلياً؟ في نصوص لم تعد تحتكم إليها، أم في واقع لم تعد تديره؟ في الاعتراف الدولي أم في السيطرة على الأرض؟ في المركز أم في الأطراف
وفي هذا الانزياح يبدأ تفكك المفهوم من داخله، إذ تفقد الشرعية قدرتها على تعريف نفسها قبل أن تفقد قدرتها على ممارسة السلطة.

وفي هذا السياق، لا يكون المستقبل استمراراً بسيطاً للوضع القائم، بل اتجاهاً نحو إعادة تشكيل مراكز القوة الفعلية على الأرض، بالتوازي مع تآكل مركز الشرعية بوصفها مرجعية جامعة.
وتُعدّ هذه النتيجة امتداداً منطقياً لهذا التكوين الهجين، الذي يتراجع فيه مركز القرار داخل الشرعية المركزية، لصالح سلطات أمر واقع تفرض حضورها الفعلي على الأرض.
فكلما ضعفت قدرة الشرعية على إنتاج قرار موحد ونافذ، وكلما ازداد اعتمادها على الخارج لضمان استمرارها، تقلص دورها كمرجعية عليا، لصالح مراكز فعل تتشكل من الواقع ذاته وتكتسب شرعيتها من السيطرة لا من التفويض.

ومع الوقت، لا يعود الخارج مجرد داعم، بل يصبح جزءاً من تعريف الشرعية واستمرارها، ومصدر قرارها، وتتحول هي إلى إطار رمزي أكثر منها سلطة فعلية.

وإذا استمر هذا المسار دون إعادة إنتاج حقيقية لمعنى الشرعية ووظيفتها، فإن النهاية لن تكون انهياراً مفاجئاً، بل تفريغاً تدريجياً لمضمونها السيادي، بحيث تبقى قائمة في الخطاب والاعتراف، لكنها تفقد قدرتها على احتكار القرار أو توجيه الواقع، لكن هذا الوضع لن يستمر طويلاً.

وقد بدأ هذا التفريغ عملياً مع الانقلاب على الدولة لصالح المليشيا في أغسطس 2019، حين أُعيدت صياغة موازين القوة على الأرض خارج الإطار المفترض للشرعية، ولم يعد ذلك الحدث مجرد تطور سياسي عابر، بل لحظة تأسيس لمسار جديد أعاد تشكيل العلاقة بين الشرعية وسلطات الأمر الواقع على نحوٍ قاد إلى تفريغ الشرعية من مضمونها وتحويلها تدريجياً إلى هيكل قائم في المبنى، فارغ في المعنى.

ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد التحولات اللاحقة سوى امتداد لهذا الانكسار الأول، حيث جرى تثبيت وقائع سياسية وميدانية متتابعة، جعلت من الاستثناء قاعدة، ومن إعادة الترتيب واقعاً مستمراً، حتى أصبح التباعد بين الشرعية ومجالها السيادي جزءاً من البنية لا مجرد طارئ عليها.

وهكذا، فإن ما امتد لعشر سنوات، وربما يُراد له أن يمتد لسنوات أخرى، قد ينتهي إلى لحظة يصبح فيها الاعتراف الدولي أقرب إلى التماهي مع سلطات الأمر الواقع، لا بوصفها بديلاً معلناً، بل بوصفها واقعاً مستقراً فرض نفسه عبر الزمن.

موضوعات متعلقة