جرائم وحقائق موثقة

قبل ساعة


هدى الصراري
ارشيف الكاتب

لم يعد تجنيد الأطفال في اليمن مجرد ادعاءات أو روايات متداولة، بل بات حقيقة موثقة في تقارير الأمم المتحدة ولجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الخاصة باليمن. فخلال السنوات الأخيرة، أظهرت تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن استمرار وتوسع عمليات تجنيد الأطفال من قبل مليشيا الحوثي، رغم التعهدات الأممية السابقة بوقف هذه الممارسات.

ووفقاً للتقرير النهائي لفريق الخبراء لعام 2024، أبلغت الحكومة اليمنية عن 3,298 حالة تجنيد أطفال من قبل الحوثيين خلال النصف الأول من عام 2024 فقط. كما وثقت مصادر أممية 142 حالة مؤكدة لتجنيد واستخدام الأطفال خلال الفترة من 15 سبتمبر 2023 إلى 31 يوليو 2024، إضافة إلى مقتل 75 طفلاً مجنداً وإصابة طفل آخر أثناء مشاركتهم في الأعمال العسكرية.

ولم يقتصر الأمر على الزج بالأطفال في جبهات القتال، بل أكد التقرير استخدامهم كدروع بشرية، وجواسيس، وزارعي ألغام وعبوات ناسفة، وعناصر استطلاع، وطهاة، ومقاتلين في الخطوط الأمامية. كما رصد التقرير تصاعد عمليات استقطاب الفتيات عبر جهاز "الزينبيات"، بما في ذلك حالات اختطاف وتهديد واستغلال.

وتكشف التقارير الأممية كذلك عن الدور الذي تلعبه المراكز والدورات الصيفية في عمليات التعبئة والتجنيد. ففي محافظة عمران وحدها تم رصد 696 مركزاً صيفياً مفتوحاً و5 مراكز مغلقة تضم نحو 15 ألف طالب، في إطار برامج تقوم على التعبئة العقائدية والعسكرية للأطفال.

أما التقارير الأممية الخاصة بالأطفال والنزاعات المسلحة فقد وثقت خلال الفترة الأخيرة 293 حالة تجنيد واستخدام للأطفال، بينهم 27 طفلاً دون سن الخامسة عشرة، مع مقتل 79 طفلاً نتيجة مشاركتهم المباشرة في الأعمال القتالية، واستمرار ارتباط 228 طفلاً بالأطراف المسلحة عند انتهاء فترة الرصد.

وتؤكد الأمم المتحدة أن الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات بسبب القيود الأمنية وصعوبة الوصول إلى مناطق سيطرة الحوثيين، ما يعني أن الأعداد الفعلية قد تكون أكبر بكثير من الحالات التي أمكن التحقق منها.

قانونياً، يشكل تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة انتهاكاً جسيماً لاتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري الملحق بها. أما تجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشرة أو إشراكهم في الأعمال العدائية فيرقى إلى جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بما يستوجب المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

إن استمرار تجنيد الأطفال وتطييف عقولهم وتحويل المدارس والمراكز الصيفية إلى منصات للتعبئة العسكرية لا يهدد حاضر هؤلاء الأطفال فحسب، بل يهدد مستقبل اليمن بأكمله، ويصنع جيلاً مثقلاً بالعنف والكراهية والحرب. ولذلك فإن حماية الأطفال اليمنيين من الاستغلال العسكري يجب أن تكون أولوية عاجلة للمجتمع الدولي، وأن يقترن التوثيق الأممي بإجراءات حقيقية للمحاسبة والإنصاف. عرض أقل