في هذه المداخلة، تحدث الصحفي السعودي عضوان الأحمري عن ما يمكن اعتباره ملامح المقاربة السعودية التي قد تنتهجها الرياض تجاه الحوثيين خلال الفترة المقبلة، والتي تتمثل، بحسب حديثه، في استئناف الضربات الجوية.
وقد يقول قائل هنا: ما الجديد في ذلك، إذا كانت السعودية تقصف الحوثيين بالفعل من دون إعلان رسمي؟ لكن هذا الطرح يظل بلا دليل رسمي؛ إذ إن الرياض لم تعلن رسمياً أنها تستهدف الحوثيين في أي محافظة يمنية، باستثناء ما يرد من ادعاءات حوثية بهذا الشأن.
ومنذ اندلاع التصعيد عقب انتهاك الطائرة الإيرانية للأجواء اليمنية، برز تطور في استخدام الطيران الحربي اليمني، إلى جانب الطائرات المسيّرة. وكانت الحكومة اليمنية قد أكدت في أكثر من مناسبة أنها أعادت تأهيل بعض الطائرات القديمة التي تمتلكها، من دون الإفصاح عن نوعها، وأنها استخدمتها للمرة الأولى في استهداف مدرجات مطار صنعاء، ثم توالت الضربات منذ ذلك الوقت.
ومع أنه لا يوجد دليل موثق يؤكد طبيعة هذه الطائرات الحربية أو مدى توفرها وقدرتها العملياتية، وبغض النظر عما إذا كانت السعودية تستهدف الحوثيين أيضاً من دون إعلان، ولأسباب قد تكون مفهومة في سياق المرحلة الحالية، فإن استئناف السعودية للضربات الجوية بشكل معلن سيكون تطوراً بالغ الأهمية، ومن شأنه دفع الأوضاع والتصعيد إلى مستويات أعلى.
ويدرك الحوثيون أن هذه الورقة ستكون مؤثرة ضدهم، حتى لو كانوا قد تمكّنوا من تطوير تكتيكات للتعامل مع الضربات الجوية، مستفيدين من الخبرة التي اكتسبوها خلال سنوات الحرب. ففي النهاية، تمتلك السعودية سلاحاً جوياً حديثاً، ويمكنها استهداف إمدادات الحوثيين وتحركاتهم والمساهمة في قطع خطوط الإمداد، خصوصاً بين المحافظات وعلى الطرق الطويلة.
وفي المقابل، فإن الحكومة اليمنية، وإن كانت تعلن استخدام الطيران الحربي في استهداف بعض المواقع، لا يظهر حتى الآن في ما هو معلن رسمياً أنها تستخدم طائرات مسيّرة بعيدة المدى تتيح لها الوصول إلى عمق مناطق الحوثيين أو استهداف خطوط إمدادهم الممتدة بين المحافظات.
ولا يعني ذلك بالضرورة عدم امتلاكها مثل هذه القدرات، إذ قد تكون هناك أسلحة أو قدرات غير معلنة يجري الاحتفاظ بها لظروف أخرى، لكن ما يمكن قوله هو أن الطيران المسيّر بعيد المدى لا يزال، حتى الآن، خارج القدرات المعلنة التي تكشف عنها الحكومة في عملياتها العسكرية.
وهنا تحديداً تظهر أهمية هذه الفجوة في القدرات الجوية؛ فإذا كانت الحكومة اليمنية لا تُظهر، حتى الآن، قدرة معلنة على استخدام طيران مسيّر بعيد المدى لاستهداف الحوثيين في العمق أو قطع خطوط إمدادهم البعيدة، فإن امتلاك السعودية هذه القدرة يجعل سلاح الجو ورقة أكثر تأثيراً في حال قررت الرياض الانتقال من الدعم غير المباشر إلى التدخل المباشر.
وقد تلجأ السعودية إلى هذه الورقة إذا استمر الحوثيون في تصعيد هجماتهم ضد منشآتها الاقتصادية والبنية التحتية النفطية، وعندها قد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى التدخل باسم الدفاع عن سيادتها والرد على ما تعرضت له، وبما لا يجعلها تبدو وكأنها الطرف الذي بادر إلى انتهاك الهدنة، وكذلك اتفاق الهدنة الثنائية مع الحوثيين الموقع في 2022.
ومن الواضح أن الحوثيين، عندما أقدموا على التصعيد الحالي، الذي يبدو أنهم خططوا له منذ وقت طويل، كانوا يضعون في حساباتهم أن السعودية لن تتدخل جوياً ضدهم. وربما كان هذا أحد العوامل التي شجعتهم على المضي في التصعيد، انطلاقاً من إدراكهم أن الرياض، إلى حد كبير، لم تعد ترغب في العودة إلى الحرب، فضلاً عن وجود تفاهمات بين الطرفين بشأن وقف الهجمات المتبادلة.
وفي المقابل، لم تكن حسابات الرياض تجاه هذا التصعيد منفصلة عن تطورات الإقليم، إذ أضافت الحرب ضد إيران بُعداً جديداً إلى شواغلها الأمنية، خصوصاً في ظل ما تعتبره المملكة إليه محاولة من طهران وأطراف أخرى، بينها الولايات المتحدة وإسرائيل، في جرها إلى صراع إقليمي طويل الأمد يستنزف مقدراتها الاقتصادية.
وحاولت الرياض تجنب الانزلاق إلى هذا السيناريو، من خلال رفض المشاركة في الحرب، رغم تعرضها لهجمات إيرانية عديدة، وكانت تكتفي بالتصدي لها.
وباستثناء مرة أو مرتين، تحدثت مصادر غربية عن أن الطيران السعودي نفذ غارات سرية داخل العمق الإيراني ردًا على بعض هذه الهجمات.
لكن، بشكل عام، تعاملت السياسة السعودية مع هذا التصعيد والهجمات بصبر وحذر، وتحمّلت تداعياتها، كونها كانت تدرك مخاطر أي مغامرة قد تجرها إلى هذه الحرب.
والأمر نفسه ينطبق على الحوثيين؛ فالسعودية تدرك أنهم ليس لديهم ما يخسرونه، وأنهم، في هذه المرحلة، يقومون بما تطلبه منهم إيران لتخفيف الضغط عنها ورفع الكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، من خلال التصعيد سواء في البحر الأحمر أو عبر محاولة الوصول إلى باب المندب لخنق صادراتها النفطية والتي يمر جزء كبير منها إلى زبائنها في آسيا، باعتباره طريقاً استراتيجياً بديلاً بعد إغلاق مضيق هرمز.
وبالتالي، فإن حسابات السعودية لا ترتبط بالحوثيين وحدهم، وإنما تتصل أيضاً بمحاولة تجنب الانزلاق إلى حرب ذات أبعاد إقليمية، لكنها، إذا استمرت هذه الهجمات، قد تضطر إلى استخدام سلاح الجو، وهو ما أشار إليه الصحفي السعودي الأحمري.
وسيكون ذلك تطوراً متقدماً في مسار التصعيد، وسيمثل بالنسبة إلى الحوثيين تصعيداً كبيراً، إلى جانب توسع العملية العسكرية في أكثر من محافظة.
ومنذ ضربة بقيق عام 2019، وما تلاها من تفاهمات لاحقة، وصولًا إلى ما سُمي «خريطة الطريق»، التي كانت في بدايتها مبادرة سعودية بحسب تصريحات نائب وزير الخارجية اليمني مصطفى نعمان، قبل أن تتحوّل لاحقاً إلى مبادرة أممية، عادت السعودية إلى ما يمكن وصفه بالاستراتيجية التقليدية القائمة على التدخل غير المباشر.
وأتذكر أنني كنت قد سألت حينها الدبلوماسي السعودي عبدالله الشمّري، بعد دخول الحوثيين صنعاء: كيف ترى تعامل السعودية مع هذا التطور؟ فأجاب بأنها ستعتمد على المقاربة التقليدية المتمثلة في التدخل غير المباشر.
ويبدو أن المملكة عادت إلى هذه المقاربة بعد سنوات من التدخل المباشر، وهو تحوّل يمكن ربطه بالتفاهمات والتطورات المشار إليها سلفاً؛ إذ تكتفي بدعم الحكومة اليمنية وقواتها، بحيث لا تكون في واجهة المشهد، وتبدو المعركة أو التصعيد العسكري وكأنه يجري بين أطراف يمنية فقط.
لكن التطورات الحالية، بالنظر إلى أهداف الحوثيين من التصعيد، قد تدفع الأمور مجدداً نحو التدخل المباشر؛ فالهدف الأكبر، يتمثل في الوصول إلى باب المندب، وهو ما يتماشى مع استراتيجية إيران في السيطرة على الممرات البحرية واستخدامها للضغط على الاقتصاد العالمي، وليس على السعودية وحدها.
واستمرار الحوثيين في هذا التصعيد على الساحل الغربي سيدفع إلى فتح أكثر من جبهة وفي أكثر من محافظة، وهذا بدوره قد يدفع الحوثيين إلى التصعيد ضد السعودية، باعتبار أنهم يرون أن هذا التحرك مدعوم سعودياً، وسيلجؤون إلى ضرب منشآتها الاقتصادية، اعتقاداً بأن ذلك سيؤثر عليها ويدفعها إلى التراجع.
وبدورها، قد تضطر السعودية، مع استمرار هذه الهجمات، إلى التدخل جوياً، كما أشار الصحفي السعودي.