ترفع مليشيا الإرهاب الحوثية اليوم شعاراتٍ وخطاباتِ الجهاد في كل منابرها ومنتدياتها ووسائلها الإعلامية، وتطلق صفة "المجاهدين" على عناصرها الإرهابية التي تذهب إلى المحافظات اليمنية فتقتل وتنكل بأهلها الذين لا يعترفون بهم أنهم إخوانهم في الوطن ولا في الدين، واليمنيون يستغربون كل الاستغراب عن أي جهاد تتحدث هذه المليشيا الإرهابية وضد من!
تعالوا نفكك لكم هذه المسألة عقائدياً وتاريخياً وفكرياً وسلوكاً إمامياً منذ تأسيس الإمامة في اليمن عام 284هـ وحتى اليوم، لنقف جميعاً على أصل هذه المسألة..
رفع الإماميون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعاراً ولافتة شرعية للثورات ضد الدول التي يعيشون في كنفها عبر التاريخ، وكوسيلة للوصول للحكم بأية وسيلة كانت، ويتخفون خلفها ويُلَبِّسون بها على العامة من الناس، ليس بحسب ما جاء في القرآن والسنة (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، بحسب القواعد الفقهية المبينة شرعاً حتى لا يؤدي تغيير المنكر إلى منكر أكبر منه؛ بل جاء بعد هذا التصرف خراب ودمار الأوطان كلها التي يتواجدون ويعملون فيها.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندهم هو التحريض على غيرهم من السنة والدول القائمة وتشويههما واختلاق الأكاذيب حولهما، ودعوة للخروج على الحكومات لإخراج الحكم من السنة إلى الإمامة، مهما كانت الدولة عادلة حتى معهم؛ فلا بد لهم من رفع هذا الشعار؛ كون المنكر عندهم عدم الحكم، والأمر بالمعروف الدعوة لتسليمهم هذا الحكم وإلا استخدموا الوسيلة الأخرى الإرهابية في تطبيق هذا الشعار وهو ما يسمونه (الجهاد).
وقد اتخذوا لتطبيق ذلك الشعار وسيلة القتال لإخوانهم المسلمين في كل مكان، والذي يسمونه (الجهاد)؛ إذ إن الجهاد ليس هو المعروف شرعاً عند عامة المسلمين في أنه قتال الكفار أو المعتدي الأجنبي على الأوطان ردعاً ودفعاً لهم عن غزوهم بلاد المسلمين، أو تحريراً للأوطان والدفاع عنها، أو طلباً لنشر الدعوة الإسلامية خارج حدود بلاد الإسلام والمسلمين نصرة للمستضعفين وإنجاداً للمظلومين، والذي ينقسم عند المسلمين عامة إلى قسمين؛ جهاد الدفع، وهو جهاد رد العدوان وردعه، والآخر المسمى جهاد الطلب؛ وهو سعي المسلمين لنشر الدين الإسلامي في الأرض خارج حدود الدولة الإسلامية، وإصلاح المجتمعات الفاسدة، والأخذ على أيدي الظلمة، وإخراج السلطة من يد البغاة المجرمين في الأرض إلى يد سلطة الإسلام العادلة؛ لإقامة العدل في الأرض، ونشر الإسلام، وتثبيت حكم الله.
فـالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على الحاكم الظالم بالثورة المسلحة، يعتبر الأصل الخامس من أصول الدين لدى الزيدية؛ فإذا كان الجهاد يوازي، أو يرقى إلى مستوى توحيد الله وعدله، فلا عجب إذاً إن رويت الأرض من دماء شهداء الفضيلة –الزيدية-، ولا عجب أيضاً إن ملأت قبورهم ساحات العراق وإيران واليمن والمغرب والمدينة وسائر البقاع؛ فما ذلك إلا ضريبة لازمة للحق الذي آمنوا به، ثمن مدفوع للشعار الذي رفعوه.
ولئن عكست المطالب والشعارات مع غيرهم ضدهم؛ كأن يخرج الآخرون المظلومون منهم ضد ظلمهم بالسيف فذلك خروج ضد الله، وذلك صِدام ضد أوليائه، وهذا استحلال دماء أهل البيت، فلا يجوز قتالهم ولا معارضتهم ولا حتى مناقشتهم؛ لأنهم أصل كل شيء، وبيدهم الهدى والنور!
فإن من يراجع تشريعاتهم وأفكارهم وأدبياتهم وخطاباتهم ورسائلهم إلى الآخرين، وتطبيقاتهم على الأرض، فإنما يجد ذلك الجهاد بمعنى التمرد على الدول، شق عصى المسلمين، قتال إخوانهم المسلمين عموماً من غير طائفتهم، وصولاً إلى قتال بعضهم بعضاً بحسب نظرية الإمامة الخروج بالسيف، فلم يؤثر عنهم قتالاً ضد أعداء الأمة من الغزاة الأجانب كالمغول والصليبيين وغيرهم، بل كل قتالهم و(جهادهم) كان موجهاً ضد المسلمين في الداخل ومتعاونين مع هؤلاء الغزاة الخارجيين على الأمة الإسلامية! فقد كانوا يصفون المسلمين من غيرهم من السنة بأنهم (بغاة، فسقة، جبارين، مشبهة، مجبرة، كفار تأويل، عصاة، نواصب، خوارج، مرتدين، منافقين، أعداء الله، مرتزقة، دواعش، فجار)، وكل هذا من أجل التحريض عليهم واستحلال دمائهم وإيجاد الدافع للقتال ضدهم والتحريض عليهم والتحريش بينهم وشق صفوفهم والتخذيل عنهم.
بينما يطلقون على أنفسهم أجل الأوصاف (مجاهدين، أنصار الله، أولياء الله، آل البيت، العترة، أهل البيت، أولياء المؤمنين، ظل الله في الأرض، سفن النجاة، أئمة الهدى، خلفاء الله في الأرض)..
ومن هنا سنتتبع بعض هذه التشريعات والرسائل والمقاصد الإمامية عند كبرائهم وأئمتهم وتطبيقاتهم إياها عبر مختلف الأزمان.
ولنبدأ من مؤسس الإمامة في اليمن يحيى الرسي، الذي قال في التحريض والتدليس على العامة، واستقطابهم باسم الدين وأئمة (آل البيت) إلى ما يسمونه الجهاد: "فلما بان ذلك لنا علمنا أن الجهاد مع من قام من الأئمة من ولد الحسن والحسين -عليهما السلام- من أكبر الفرائض التي افترضها الله على عباده، وأوجب لمن قام بها ثوابه؛ إذ يقول سبحانه: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُالتوبة111( ).
فوجب على الأمة القيام بأمر الله والمجاهدة في سبيل الله، والإخافة للظالمين والمحاربة للعاصين والمعاونة لأئمة المسلمين الذين رضيهم الله للدين، وجعلهم خلفاء على جميع العالمين، سلالة النبيين وصفوة الأئمة الهادين -صلوات الله عليهم أجمعين-، فينبغي لجميع المؤمنين أن لا يفرطوا في الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم والمنكر، وأن لا يساكنوا الظالمين الجبارين الفاسقين؛ فمن ساكنهم وتابعهم وثافنهم فهو منهم"( ).
ولنضع ألف خط وعلامة استفهام تحت العبارة السابقة (والمجاهدة في سبيل الله، والإخافة للظالمين والمحاربة للعاصين والمعاونة لأئمة المسلمين الذين رضيهم الله للدين، وجعلهم خلفاء على جميع العالمين، سلالة النبيين وصفوة الأئمة الهادين) فهم يرفعونها ظاهرة ويدعون لها علانية لنصرتهم خاصة للانقلاب على الدول!
وجاء في سيرة الهادي: قال علي بن محمد: حدثني أبي محمد بن عبيد الله قال: "أقام يحيى بن الحسين في صعدة صفراً وشهري ربيع وجمادى والناس يكتبون إليه في كل وقت من أهل اليمن. وكان عند وصوله البلد قد كتب إلى أهل اليمن جميعاً كتاب دعوة يدعوهم فيها ويحضهم على الجهاد معه"( ).
وهو في هذا الموضوع كاذب بيّن الكذب أن اليمنيين كاتبوه للجهاد معه؛ وهو القائل في موضع آخر من سيرته متحسراً على عدم نصرته: "والله لو كان معي ثلاثمائة وثلاثة عشر مؤمناً، لا بل لو كان معي خمسمائة؛ لأن تلك كانت فضيلة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لدُستُ بها اليمن..".
ولنأخذ مثالاً على ذلك التحريض ضد المسلمين خطبته ضد العباسيين ورسالته إلى أهل اليمن وبعض زعمائها، وهذه الرسالة على النحو التالي:
"هلموا إلى جهاد الفسقة الظالمين من أهل قبلتكم من جبابرتهم.. ألستم ترون عباد الله المخلصين والقائلين في الله بالتوحيد، المقرين بما ذكر الله في الوعد والوعيد، إلى دينكم مقتولا، وإلى الحق الذي أنزله على نبيكم مخذولا. حكم الكتاب معطلاً بينكم، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معدوماً.. قد أمنوا تغييركم عليهم، ونسوا من يكاتبهم فيكم، وبسطوا أيديهم عليهم، وحكموا بحكم الشيطان فيهم، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. حرموهم واصطفوا مع ذلك أموالهم، وأجاعوا بطونهم، وأعروا ظهورهم، وأضاعوا سبيلهم، وأخافوا على أنفسهم. يجتبون أموالهم، ويقتلون رجالهم، ويمنعونهم النصف، ويسومونهم الخسف، هتكاً للحريم، وتمرداً على الله العظيم.
لا يرحمون العباد، ولا يصلحون البلاد، رافضون معطلون بالنكاح، معتكفون بالسلاح، المكر بينهم ظاهر، وأفعال قوم لوط أفعالهم، وأعمالهم في ذلك أعمالهم، يتخذون الرجال ويأتونهم من دون النساء، ويظهرون الفجور علانية.. إن عاهدوا نقضوا، وإن أمنوا غدروا، وإن قالوا كذبوا، وإن أقسموا حنثوا. قد قتلوا الأرامل والولدان، وحرموهم ما جعل الله لهم.. في الفسق منغمسون، وعن الحق مجنبون. لم ينالوا ما نالوا من أولياء الله إلا بالغدر، ولم يقدروا عليه إلا بالجبر، وعقدوا مواثيق الله له في أعناقهم، وسط أمان الله وأمان رسوله منهم، فإذا أركن إلى عظيم ما يعطونه، ووثق بجليل إيمانهم قتلوه من بعد ذلك غادرين، ومثلوا به ناكثين.. فأي ظلم أو غشم أو إثم أعظم مما فيه من هو يدعي أنه إمام للمسلمين أو أمير للمؤمنين من الذين أماتوا الكتاب والسنن، وأحبوا البدع والفتن، وقتلوا الحق، وأحبوا الفسق.. جلسوا في غير مجلسهم، وتعاطوا ما ليس لهم..
ألستم ترون ما قد صار إليه أعداء الله وأعداؤكم من النقص والخذلان والضلال والنقصان، فكل يوم يردنون، وكل شهر ينقصون، وكل عام يفتنون. وقد بلغت بهم واجترأت عليهم ساستهم فصاروا يسومونهم العذاب، يقتلون من شاءوا منهم ويقيمون من أرادوا منهم. يحيون الأمور لأنفسهم، قد تسلط عليهم شرارهم، وأعوانهم وعبيدهم، فلا مال عندهم، ولا رجال في جوارهم، ولا أمر ولا نهي، ليس في تابعهم، ولا لهم في بلد ينجون فيه أمرهم غير بعض القرى، قد أحل فيهم الأعراب واستباحت ما قدرت عليه من رعيتهم، ينهبون حواشيهم، ويخيفون سبيلهم، ويقطعون طريقهم، ولا يقدرون على نفيهم وإبعادهم، ولا ينالون ما يشتهون من إذلالهم، بل هم الأذلاء الأقلاء الفساق الضعفة، أشد على الرعية والمساكين إذلالاً من الأقوياء والمحاربين، يخيفون ويأكلون من تحت أيديهم، ويدارون من نابذهم وسلط عليهم. قد انهدم عزهم وانخرقت مهابتهم، وفتكت بهم كلابهم، وقهرهم أشرارهم، وحكم عبدانهم، وقلت وانتفت من أيديهم الأموال، وتفرقت عساكرهم. قد مال عنهم ملكهم، وانهدم باب عزهم، بغير أساس أمرهم، وأعطت خلافتهم صاغرة قيادها، ورمت إلى من قاد بزمامهم، وألقت إليه سمعها وطاعتها، وذل لطالبها صعبها، ولان لمركبها مركبها، وذل له بعد الصعوبة ظهرها، وبرزت له من بعد شدة حجابها واستقامت له".
فالظلمة، والبغاة، والفسقة، في الفكر والأدبيات الإمامية وخطاباتهم ليسوا العدو الخارجي بل هم المسلمون الآخرون من غير طائفتهم الذين يقومون بالتمرد عليهم، وإصدار الفتاوى بالخروج عليهم بالقتال والسيف، قتلهم وتدمير ونهب بلدانهم.
بل إن الفكر الإمامي عموماً (اثنا عشري وهادوي وجارودي وغيره) يستجيزون الاستعانة بالفسقة إذا لم يخونوهم، كما صرح بذلك الإمام عبدالله بن حمزة وقال: "وقد تقرر من علم الأئمة –عليهم السلام- أن الاستعانة بالفاسق إذا غلب في الظن أنه لا يخون في ما استعين به فيه جائزة، فأما إذا علم أنه يخون فلا خلاف أن ذلك لا يجوز قولاً واحداً، وقد استعان علي -عليه السلام- بقوم ظهرت خيانتهم له".
وحتى في الفتوحات الإسلامية انكفأوا منها في الداخل بحجة عدم وجود إمام، لكن هذه الحجة عريت وسقطت بوجود أئمتهم بينهم، وبتعاونهم مع العدو الخارجي ضد المسلمين في كل المراحل التاريخية. فابن العلقمي (الشيعي) ساعد التتار على غزو بغداد، وتدمير الخلافة الإسلامية، وقتل الخليفة العباسي، وساعد بعض شيعة الشام والفاطميين في مصر الصليبيين على الدخول إلى القدس وبلاد المسلمين وارتكاب أبشع المجازر والإبادة بحق المسلمين هناك. وتعاون الإمام شرف الدين وابنه المطهر (الشيعي الهادوي) مع المماليك الشركس لغزو اليمن والقضاء على الدولة الطاهرية؛ آخر دولة سنية في اليمن عام 923هـ، وتعاونت حركة "أمل" الشيعية اللبنانية مع الصهاينة بمجزرة صبرا وشاتيلا ضد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عام 1982، وساعدت إيران (الإسلامية) التحالف الصليبي الحديث في غزو العراق وأفغانستان في عامي 2001 و2003، وقاد الشيعة العراقيون مع الأمريكيين مجازر مروعة بحق العراقيين السنة، وصل عدد القتلى وضحاياها حدود مليون عراقي، وأكثر من مائة ألف أفغاني وباكستاني، وتحالفت إيران الصفوية مع القيصرية الروسية والإمبراطورية البريطانية ضد الخلافة الإسلامية العثمانية.
وتعاون الحوثيون مع الأمريكان والغرب عموماً للانقلاب على الدولة وتدمير مظاهر التدين في اليمن، والقضاء على الحركات الإسلامية السنية، وتدمير مساجدهم وتفجير مدارسهم وبيوتهم، كنوع من التعاون في القضاء على الدين الإسلامي والصحوة الإسلامية في اليمن، وباتوا اليد الأمريكية البريطانية لزعزعة الإسلام والمسلمين في اليمن والجزيرة العربية عموماً.
عند التحشيد الإمامي عبر التاريخ، كانوا يرفعون شعار وعلم الجهاد، لكنه جهاد ضد الشعب اليمني المقهور، وقد صور الأستاذ النعمان هذا الأمر بالقول: "لم يكن هؤلاء الزيود يشتغلون كثيراً بفلاحة الأرض ولا بالتجارة؛ بل كانوا تحت السلاح يلبون نداء الإمام للجهاد في سبيل الله، ويطلق عليهم المجاهدين في سبيل الله، حتى إنهم ينصبون أعلاماً كبيرة يكتب عليها اسم الإمام (أمير المؤمنين نصره الله)، والجهاد تحت ظل السيوف، وكان شعارهم (جعل رزقي تحت ظل رمحي) باعتبار أنهم يغزون البلاد الكافرة، فتصبح بلاد الكفار غنيمة لهم، وكل من كان غير موالٍ للإمام لا يعتبر في نظرهم مسلماً كاملاً إذا لم يكن مرتبطاً بعقيدة الإمام وولائه ومذهبه، حتى إنهم وضعوا قاعدة يقولون فيها: "من أنكر على الإمام بقلبه فهو فاسق، ومن أنكر عليه بلسانه فهو كافر، ومن أنكر عليه بيده فهو محارب، وفي كل الأحوال فهو عاصٍ يستحق العقوبة"!
حرموا حتى الإنكار بالقلب، مع أن الله -سبحانه وتعالى- لا يحاسب عليه. يقول النبي: "إن الله لا يحاسب أمة عما حدثت به نفسها"، حتى إن الناس يساقون أحياناً إلى السجون ولا تعرف الأسباب التي أدت إلى إدخالهم السجون. ولا يمكن أن يسأل الإمام؛ لأنه فوق الشبهات، وخليفة الله في الأرض.
كان الإمام يحيى حميد الدين وابنه أحمد يحشدون المرتزقة لقتال الزرانيق في تهامة تحت مسمى الجهاد أيضاً، وكان مما ذكر عنهم أنه "بعدما عاد أحمد إلى صنعاء من بلاد حاشد، بعدما قضى على ثورتها صلحاً وسلماً، اغتنم جلالة الإمام وجود ولي عهده في العاصمة، وتجمع الجيش في تهامة اليمن، وما لسموه من الشدة والبأس، فأرسله للإشراف على قبيلة الزرانيق وتولي شؤونها بنفسه، للقضاء على تمردها، فسافر سموه إلى تهامة، وقبل وصوله إليها بمدة كان المجاهدون قد احتلوا الدريهمي وقرى كثيرة بالقرب من مركز بيتٌ الفقيهٌ والحسينية المجاورة لأراضي تلك القبيلة".
لذلك فإن من يسمع خطابات الحوثيين اليوم، ومن يجد رفع هذه الشعارات واللافتات والمصطلحات الجهادية فإنها لا تعني جهاد الكفار، ولا الدفاع عن الأوطان، بل هو جهاد ضد الشعب اليمني الذي هو في نظرهم كافر بالإمامة والولاية، ويستحق التنكيل والسلب والنهب والتضييق في المعيشة، والتهجير والتدمير، كما يفعلون في كل موطن يصلون إليه.
ولما كان الإماميون عبر التاريخ يكفرون اليمنيين بالإلزام والتأويل، وخاصة اليمن الأسفل تعز وإب وريمة وتهامة وعدن ولحج وغيرهم، ويعتبرونهم إخوان اليهود والنصارى رفعوا راية (الجهاد) ضدهم إبادة وتدميراً ونهياً وتشريداً لهم في كل الأوطان الخارجية.
يقول النعمان الإبن: "كان القبيلي المجند الذي قدم من شمال صنعاء إلى سهول تهامة وإب وتعز والبيضاء لا يسمى جندياً بل مجاهداً في سبيل الله، وعلى هذا الأساس أبيح له أن يسكن في مساكن الأهالي بالقوة حتى لو أدى الأمر - وكثيراً ما كان يؤدي - إلى خروج رب المسكن ليسكنه المجاهد في سبيل الله ويفرض على الزوجة أن تتولى خدمته وإطعامه ما يختار من طعام، وكم أكواخ وبيوت هدمت وأحرقت لأن فلاحاً أو فلاحة اعتذرت بالفقر عن تلبية الرغبات المسعورة للجنود".. والكلام مازال للأستاذ النعمان الذي يؤكد بقوله: "لقد وجه الإمام يحيى قبائل الشمال التي حاربت تحت قيادته الأتراك نحو الجنوب (تعز وإب) وتهامة بدعوى المحافظة على الراية المحمدية في بلاد "كفار التأويل" و"إخوان النصارى".
وقد ذكر الزبيري في كتابه "الإمامة وخطرها على وحدة اليمن" ، بالقول: "تكاد تنحصر الأعباء الإمامية في استصفاء ثروة الشعب باسم الزكاة، وقمع الانتفاضات الشعبية باسم الجهاد وقتال البغاة ثم بناء مسجد باسم الإمام تضاف إلى جواره غالباً قبة الضريح لهذا الإمام تمد نفوذه الروح حتى وهو في القبر، ثم يخلف تركة ضخمة من الأرض لأولاده وأحفاده بعد أن يبتزها من الشعب".
أما الإماميون الجدد (الحوثيين) فشعاراتهم وخطاباتهم وتسمياتهم ناضحة بهذه المصطلحات الجهادية، ويسمون أنفسهم مجاهدين، وأكثرهم فاسقون!