علوم وصحة

السعودية أمام تحول جديد في المدفوعات.. هل يتولى الذكاء الاصطناعي عملية الشراء نيابة عنك؟

السعودية أمام تحول جديد في المدفوعات.. هل يتولى الذكاء الاصطناعي عملية الشراء نيابة عنك؟
قبل ساعتين
- المشهد اليمني

تستعد منظومة التجارة الإلكترونية في السعودية لمرحلة جديدة قد يصبح فيها الدفع أقل ظهورًا للمستهلك، بالتزامن مع صعود وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على البحث عن المنتجات ومقارنة الخيارات وتنفيذ خطوات الشراء نيابة عن المستخدم.


ويرى ريمو جيوفاني أبونداندولو، المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى «تشيك أوت دوت كوم»، أن السوق السعودية مرشحة لتبني هذا التحول بوتيرة سريعة، مستندًا إلى سجل المملكة في اعتماد تقنيات الدفع الحديثة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى تحديات لم تُحسم بعد، تتعلق بالمصادقة على المعاملات التي ينفذها وكلاء الذكاء الاصطناعي، وتحديد المسؤولية عن الأخطاء، وآليات الاسترداد والاعتراض على العمليات.


وقال أبونداندولو، في لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026» في الرياض، إن الشركة تتابع تطورات «التجارة الوكيلة» (Agentic Commerce)، بالتزامن مع تصاعد الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.


98% من السعوديين يفضلون دفعًا أقل ظهورًا


بحسب بيانات «تشيك أوت دوت كوم»، يرى 98% من المستهلكين السعوديين قيمة في تجارب الدفع غير المرئية أو المدمجة بصورة أكبر ضمن رحلة الشراء.


ويصف أبونداندولو المستهلك السعودي بأنه «صديق جداً للهاتف الجوال»، مشيرًا إلى أهمية تجربة الاستخدام وسلاسة عملية الدفع وتقليل الخطوات المطلوبة لإتمامها.


لكن تبسيط عملية الدفع لا يلغي تحديات الأمان. ووفق الأرقام التي أشار إليها، أفاد 31% من المستهلكين السعوديين بأنهم تعرضوا لمحاولات أو معاملات احتيالية محتملة، بينما قال 27% إن عملية دفع رُفضت رغم أن البطاقة كانت تعمل، وهي الحالة المعروفة في قطاع المدفوعات باسم الرفض الخاطئ.


ويرى أبونداندولو أن التحدي أمام التجار ومزودي خدمات الدفع يتمثل في تحقيق توازن بين رفع معدلات قبول العمليات وتقليل الاحتكاك، مع الحفاظ على الحماية والثقة.


وقال: «لا يزال هناك الكثير من العمل لتحسين أداء المدفوعات، لكننا نرى أنها تتحسن عاماً بعد عام»، مشيرًا إلى دور التكامل المباشر مع شبكات الدفع، إلى جانب وسائل الدفع البديلة والمحافظ الرقمية.


الذكاء الاصطناعي يدخل إلى عملية الشراء


قد يكون التحول الأكبر في التجارة الإلكترونية مرتبطًا بوكلاء الذكاء الاصطناعي، إذ تشير بيانات الشركة إلى أن أكثر من نصف المستهلكين السعوديين أبدوا استعدادهم للسماح لوكيل ذكاء اصطناعي بالتسوق نيابة عنهم.


ويتوقع أبونداندولو أن تصبح التجارة الوكيلة قناة إضافية للتجارة الإلكترونية إلى جانب المواقع والتطبيقات والتجارة الاجتماعية، وليس بالضرورة بديلًا كاملًا للقنوات الحالية.


وقال: «سنرى مزيداً من المستهلكين يستخدمون الذكاء الاصطناعي ليس فقط لمقارنة الأسعار وقراءة المراجعات والحصول على النصائح، بل أيضاً لإجراء عمليات الشراء».


ويستند هذا التوقع إلى سرعة تبني السوق السعودية لتقنيات الدفع الحديثة، مشيرًا إلى أن إدخال «مدى» إلى التجارة الإلكترونية شهد نموًا سريعًا، ووصل في إحدى المراحل الأولى إلى نحو 30% من المعاملات وفق ما ذكره، إضافة إلى النمو السريع في استخدام «Apple Pay» داخل المملكة.


ويرى أن التجارة الوكيلة قد تسلك مسارًا مشابهًا، إلا أن بنيتها التشغيلية والقانونية لا تزال بحاجة إلى التطوير، خصوصًا في ملفات الأمن والاسترداد والاعتراضات وآلية توجيه الوكيل.


من يوافق على الصفقة التي ينفذها الوكيل؟


يطرح انتقال عملية الشراء من المستخدم مباشرة إلى وكيل الذكاء الاصطناعي سؤالًا أكثر تعقيدًا حول المصادقة.


فالمدفوعات الرقمية الحالية تعتمد على وسائل تحقق واضحة، مثل التعرف على الوجه في بعض المحافظ، والمصادقة عبر تطبيق البنك، ورموز الاستخدام الواحد، وبروتوكولات مثل «3D Secure».


أما عندما يتولى وكيل ذكي تنفيذ عملية الشراء، فتظهر مسألتان منفصلتان: هل تم التحقق من هوية صاحب الحساب؟ وهل وافق بالفعل على المعاملة المحددة التي ينفذها الوكيل؟


ويقول أبونداندولو إن «المصادقة هي أحد الجوانب التي لا تزال تمثل تحدياً في التجارة الوكيلة»، موضحًا أن التاجر يحتاج إلى التأكد من أن الشخص الذي أصدر التعليمات للوكيل تمت مصادقته بصورة كاملة، وأن المعاملة التي ينفذها الوكيل تقع ضمن حدود التفويض الممنوح له.


ويضرب مثالًا على ذلك بشراء الوكيل حذاءً مختلفًا عن المطلوب أو حجز رحلة خاطئة، متسائلًا عن الطرف الذي يتحمل المسؤولية في هذه الحالة.


وقال إن السؤال الأساسي هو: «من سيصادق على المعاملة المحددة التي ينفذها الوكيل؟»، معتبرًا أن الإجابة ستتطلب دورًا مشتركًا من مختلف أطراف منظومة المدفوعات.


الذكاء الاصطناعي في مواجهة الاحتيال


في الوقت نفسه، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من منظومة المدفوعات الحالية، خصوصًا في اكتشاف الاحتيال وتحسين معدلات قبول العمليات.


وأوضح أبونداندولو أن الأدوات القائمة على البيانات والتعلم الآلي تساعد على التمييز بصورة أكثر دقة بين العمليات الاحتيالية والعمليات السليمة التي قد ترفضها أنظمة الحماية التقليدية.


وقال إن «تشيك أوت دوت كوم» تستخدم نظامًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي لتحليل احتمالات نجاح المعاملة وإعادة محاولة بعض العمليات التي تعرضت لرفض غير نهائي.


وبحسب أبونداندولو، تستعيد الشركة عبر هذه الآليات ما يعادل مليار دولار كل 30 يومًا من معاملات عملائها التي فشلت في البداية، ثم جرى تحسين مسارها وإتمامها.


كما تستفيد الشركة من البيانات الناتجة عن ملايين المعاملات في السعودية وحول العالم لرصد أنماط الاحتيال، بحيث يمكن استخدام اكتشاف نمط معين لدى أحد التجار للمساعدة في التعرف إلى تكراره لدى تاجر آخر.


ويرى أبونداندولو أن التطور الأبرز الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي يتمثل في رفع مستوى الدقة والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من العمليات، مع تقليل الحاجة إلى التدخل البشري في كل قرار منفرد.


المحافظ الرقمية تغيّر سلوك المستهلك


أصبحت المحافظ الرقمية بدورها جزءًا متزايدًا من سلوك المستهلك المالي، ويربط أبونداندولو انتشارها بثلاثة عوامل رئيسية: سهولة الدفع عبر الهاتف، والمصادقة التي توفرها المحافظ، وتقنيات الترميز التي تمنع تمرير رقم البطاقة الأصلي في كل معاملة.


وقال إن المعاملات التي تتم باستخدام بطاقات مرمّزة تحقق لدى الشركة أداءً أفضل من بعض عمليات الدفع التقليدية، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني اختفاء البطاقات أو وسائل الدفع المحلية الأخرى، وإنما يضيف خيارات جديدة أمام المستهلك.


وأشار إلى وجود فارق بين الأجيال، إذ تزداد احتمالية اعتماد المستخدمين الأصغر سنًا على المحافظ الرقمية، موضحًا أن بعض المستهلكين اعتادوا الدفع إلكترونيًا دون أن تكون كتابة رقم البطاقة المكون من 16 رقمًا جزءًا أساسيًا من تجربتهم.


الهوية الرقمية في قلب التجارة الوكيلة


ومع تراجع ظهور البطاقة نفسها في رحلة الدفع، تزداد أهمية التحقق من هوية الشخص الذي يقف خلف المحفظة أو وكيل الذكاء الاصطناعي.


ويرى أبونداندولو أن الهوية الرقمية ستؤدي دورًا أكبر خلال المرحلة المقبلة، لأنها تساعد على التأكد من أن المستخدم هو صاحب المحفظة أو الحساب الذي تتم من خلاله عملية الدفع.


لكن الأمر يصبح أكثر حساسية عندما يتولى وكيل ذكي اتخاذ بعض قرارات الشراء، إذ لن يكون المطلوب إثبات هوية المستخدم فقط، وإنما أيضًا التحقق من حدود الصلاحيات التي منحها للوكيل.


ويؤكد أن هذه الطبقة ستكون ضرورية لتحقيق التوازن بين سهولة تجربة الدفع ومستوى الثقة المطلوب لإتمام المعاملات بصورة آمنة.


التجار أمام قناة جديدة للشراء


لن يقتصر استعداد تجار التجزئة السعوديين للتجارة الوكيلة على تحديث صفحات الدفع، إذ يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي مقارنة الأسعار والمراجعات والعروض بسرعة أكبر من المستخدم، ما يجعل معلومات المنتج وشروط الشراء قابلة للقراءة والتقييم بواسطة الأنظمة الآلية، وليس البشر فقط.


وأشار أبونداندولو إلى ضرورة تعامل التجار مع وكلاء الذكاء الاصطناعي باعتبارهم «قناة إضافية»، على غرار التحولات التي أحدثتها التجارة الاجتماعية وخدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقاً».


واستشهد بانتشار خدمات مثل «تابي» و«تمارا»، مشيرًا إلى سرعة نمو وسائل الدفع الحديثة في الشرق الأوسط، وخصوصًا في السعودية، مقارنة بعدد من الأسواق العالمية التي تابعها.


2030.. الدفع الإلكتروني يقترب من تجربة المتجر


وعند الحديث عن شكل منظومة المدفوعات السعودية بحلول 2030، يضع أبونداندولو هدفًا يتمثل في جعل تجربة الدفع الإلكتروني أقرب ما يمكن إلى تجربة الدفع داخل المتجر.


ويرى أن نسبة الـ98% التي تفضل الدفع غير المرئي ينبغي أن تقترب أكثر من الاكتمال، بالتوازي مع تحسين سرعة المعاملات وأدائها.


ففي المتجر التقليدي، يتوقع المستهلك أن تمر عملية الدفع بسلاسة ما دام لديه رصيد متاح، بينما قد تواجه المعاملة عبر الإنترنت مشكلات متعددة، من الرفض المؤقت إلى فحوص الاحتيال ومشكلات المصادقة.


ويعتبر أبونداندولو أن تقليص هذه الفجوة سيكون من أبرز مؤشرات تطور سوق المدفوعات، خصوصًا مع استمرار نمو التجارة الإلكترونية واتجاه التجار إلى الجمع بين القنوات الرقمية والتقليدية.


وقال: «في 2030، أتمنى أن تصبح التجربة عبر الإنترنت قريبة قدر الإمكان من التجربة خارج الإنترنت».


وبذلك، قد لا يقاس نجاح منظومة المدفوعات السعودية خلال السنوات المقبلة بمجرد انتشار الدفع الرقمي، وإنما بمدى قدرتها على جعل المعاملة أكثر سلاسة وأمانًا، سواء نفذها المستهلك بنفسه أو تولى وكيل ذكاء اصطناعي تنفيذها نيابة عنه.