وقفة (بين مصطلح الآل وفتنة المآل)
بين الفينة والأخرى يعاد السجال الفكري والديني في اليمن حول مصطلح الآل ، وكثيراً ما يكون بين طرفين أو نقيضين وبينهما متربص محتال ، وهناك جمهور معرفي وأكاديمي يقدم في ثنايا هذا السجال أفكاراً مكررة حول تفكيك وبلورة مصطلح الآل ، وكثير منهم معزولون أو مغيبون عن خطورة توظيف مصطلح الآل لفتنة المآل لأن حقيقة مصطلح الآل سواء قيل بعموميته ليشمل جميع الأتباع أو قيل بخصوصيته ، وسواء قيل بانقطاعه ، أو ببقائه - ولكل وجهته - ليس هو العامل الأساس - في تمرد الحوثيين وظهور فتنتهم وطغيانهم في اليمن - فلاجديد حول مدلول مصطلح الآل في سياقه اللغوي أوالفقهي المتداول في بطون الكتب في عموم البلدان منذ قرون وقد شرحت كتب الحديث والفقه هذا المصطلح ومضامينه بما لا يمكن الاتيان بعد ذلك بجديد وربما يكون اشغال الناس بذلك من حين لآخر ضمن دائرة المتاهات التي تتولاها جهة الإحتيال المتاجرين بالآل .
حقيقة المعضلة .
لقد بات من الضرورة بمكان المكاشفة حول هذا المصطلح دون المواربة ، واليقظة دون الغفلة للوقوف على منطلقات التوظيف السياسي عبر نظرية - البطنين الجارودية الشيعية المغالية -التي بعثتها مليشيا الحوثي وفق تحريفها لمصطلح الآل والوقوف على مآلاته السياسية والاجتماعية التي يسعون جاهدين لترسيخها وتوطينها عوضاً عن الهوية اليمنية الجامعة .
فالغاية من بعث هذا المفهوم ليست وقوفاً عند حقيقة شرعية أو رابطة روحية ، أو منقبة اجتماعية ، بقدر ما هي عملية سياسية غايتها التجهيل وتغييب الوعي لاستثمار رمزية دينية لتكريس وإخضاع المجتمع لشبكة من التبعية التسخيرية .
وفي سياق حاضرنا اليمني تتقاسم جهتان هذا الاستثمار النفعي لإنتاج مآلات طبقية وعنصرية بامتياز:-
الأولى :- مليشيا الحوثي الإرهابية التابعة لإيران ( عصبة العنف والسلاح ) والتي حرفت مفردات مصطلح الآل وجعلت منها عقيدة حتمية وعصبية سياسية لتبرير الاستئثار بالسلطة والثروة فقسمت مجتمعنا اليمني إلى ثنائية - موالٍ ومعادٍ للآل - بغرض محورة الدين حول مركزية طائفية وسلالية لتمرير شرعية النفوذ والظلم والاستبداد.
الثانية :-مجموعة من طوائف الإبتداع والمسالك الطرقية الذين جعلوا من رموز من سموهم الآل قبلة ومصيدة لاستلاب العوام وتعطيل عقولهم عن التفكير ، والزج بهم في دهاليز الخرافة لبناء عروش من القداسة الوهمية والامتيازات الطبقية تمثل بيئة حاضنة لتجريف الوعي وتدجين المجتمعات ، فيتخادمان حول نتيجة واحدة .
إن خطأً كبيراً يقع فيه من يحصر هذه الفتنة المتجددة في مضامين المصطلح غافلين عن العدو المحتال الذي يسخر مصطلح الآل لأهداف الطغيان والإذلال، ويوظف العاطفة الدينية لإشعال الشحناء والكراهية والجاهلية ويستثمر التقدير الاجتماعي اليمني لفرض الانحناء، ويوظف النصوص لصالح اللصوص، ويجعل من مناقب بعض السلف غطاءً لشر الخلف .
لذا، فإن مجابهة هذه المعضلة المريرة لا تنطلق من الخصومة الفقهية العبثية حول" مصطلح الآل " سواء توسع أو ضاق بقي أو انقرض وإنما من التفطن لمخاطر المآل وهو ما يستدعي فك الارتباط الحاسم بين الحقائق الشرعية والتاريخية الثابتة وبين التوظيف البراغماتي لمصطلح الآل من قبل أهل الضلال ، فاليمن يرزح تحت دورات تاريخية متكررة من السقوط في شرك العصبيات والسلالات التي حولت معالم الدين من رسالة تحرر عالمية إلى تبعية عمياء وعنصرية طبقية لتجار الأنساب الذين جعلوا قداسة رموزهم ومتبوعيهم فوق مسلمات الوحي وقيم الرسالات .
وفي المقابل فإن الخطاب الإقصائي المتطرف لبعض أهل الشطح لن يقود إلى تصحيح مآل فتنة أدعياء الآل بل سيمنحهم مادة تعبوية خصبة للتغرير بالجهال وتجذير مظلومية لا وجود لها إلا في عالم الخيال .
إن الترياق المعرفي الناجع يكمن في تشخيص الداء دون الجنوح إلى مسالك الإفراط و التفريط فليس من العدالة ولا من العقل التورط في الإجحاف بحق كل من له صلة قرابة نسبية دون جناية اقترفها، لمجرد أن هناك من يتاجر بنسبه بغية التوظيف والتحريف والتزييف .
وقد باتت فريضة البيان المتعينة تقتضي ضرورة التمييز الصارم بين العلم والجهل، والعدل والظلم، والتجرد المعرفي من الأهواء العقدية والمطامع السياسية .
وبالله التوفيق.

