عشر سنوات كانت كافية لإثبات أن الشرعية لم تعد، في نظر كثيرين، أكثر من بندقية تعليم موضوعة على قارعة الطريق، يحرسها طفل صغير ، كل من مر اشترى عددا من الطلقات، وصوّب نحو أغطية القوارير. من أصاب صفق لنفسه، ومن أخطأ ترك البندقية لمن يأتي بعده.
وهذا بالضبط ما عشناه خلال عشر سنوات؛ لم يترك وزير أثرا حقيقيا يمكن للناس تذكره، بل إننا لم نعد نحفظ أسماء كثير ممن تعاقبوا على الوزارات. وحدها بقيت بندقية الحكومة منصوبة وجاهزة للتصويب، وإلى جوارها علبة مليئة بالرصاص؛ كلما أوشكت على النفاد، أعاد الوصي ملأها، ثم ترك الطفل جالسا تحت الشمس، يحرس البندقية وينتظر عابرا جديدا يجرب حظه.
القضية ليست رجلا أو امرأة، ولا تتعلق بمن هو كفؤ أو غير كفؤ، وأنا شخصيا مع الكفاءة ، ولو اقتضى الامر ان يكون محلس الوزراء كلة نساء ، لكن المشكلة تكمن في غياب المشروع الوطني، صدق التوجه ، وغياب الإرادة الحقيقية لإنجاز مشروع التحرير واستعادة الدولة.
ومن ينتقدون تعيين وزيرة الخارجية الجديدة، أفراح الزوبة، كان الأولى بهم أن ينتقدوا تعيين اعضاء في مجلس القيادة الرئاسي الاكثر خطرا ، وكانت النتيجة ما آلت إليه مؤسسات الدولة من عبث طال بنيتها وسندها القانوني، قبل التوقف عند اسم الوزير أو جنسه.
العبث لا يقف عند حدود التعيينات. فهناك مسؤولون في الرئاسة ينشغلون بتصوير المنشورات التي تتضمن مدحاً أو نقداً، خصوصا تلك الصادرة عن الفرق المقربة منهم رجالا ونساء ، ثم تعميمها على الوزراء، تمهيدا للتنصيب أو الإقصاء، وكأن إدارة الدولة أصبحت تدار بردود الفعل لا بمعايير الكفاءة والمصلحة العامة.
لم يُقصَ كثير من أصحاب الكفاءة بسبب ضعفهم، بل لأنهم امتلكوا موقفاً وشجاعة واستقلالية. ويكفي أن نتذكر محمد الحضرمي، الذي قدم اداء دبلوماسيا لافتا خلال أزمة قصف الطيران الإماراتي للجنود اليمنيين. أين هو اليوم؟ انتهى به الأمر في سفارة لا تمثل أولوية في السياسة اليمنية، بينما بقي سفراء محدودو الأداء في عواصم مؤثرة لعشرات السنين، ولم يقترب منهم أحد.
#بندقية_التعليم في الشارع، على بساطتها، تحقق قدرا من المساواة؛ فهي لا تسأل العابر عن اسمه أو منطقته أو وساطته، بل يدفع الجميع الثمن نفسه ويحصلون على الفرصة نفسها. أما “بندقية التعليم” في حكومتنا، فهي لا تعمل إلا بالمحسوبية والولاءات والوساطات.
إذا أردنا أن نسأل: لماذا فشلنا في بناء الدولة؟ فهذا أحد أهم الأسباب. نستبعد أصحاب الكفاءة، ونكافئ أصحاب النفوذ. يكفي أن نتأمل بعض الأسماء التي تصدرت المشهد التنفيذي، رغم ما أحاط بها من مواقف كان يفترض أن تدفع إلى المساءلة السياسية لا إلى الترقية.
أما من يقول اليوم إن أفراح الزوبة من البيضاء أو من أي محافظة أخرى، فهذه ليست القضية. أنا ضد المحاصصة عندما تكون المحاصصة غاية بحد ذاتها. أما إذا توفرت في الشخص الكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة هذه المرحلة، فله كل التهنئة والدعم. أما إذا كانت التعيينات مجرد تصفية حسابات داخلية، أو محاولة لإرضاء أطراف خارجية عبر تقديم واجهات شكلية، بما فيها تعيين النساء دون تمكين حقيقي، فإن المشكلة ستبقى كما هي، وسيتغير الأشخاص فقط، بينما يستمر النهج ذاته.