من اللافت أن وتيرة التحضيرات لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي قد تباطأت، فهل اعادت التطورات العسكرية والامنية ترتيب الاولويات، بحيث اصبح الردع العسكري في مواجهة جماعة الحوثي اكثر استعجالاً واهمية من استكمال المسار السياسي الجنوبي؟
وفي إطار ما يتداوله البعض عن تأجيل انعقاد المؤتمر الجنوبي-الجنوبي، وأن الاخ احمد الميسري لم يحصل بعد على الضوء الاخضر من الجانب السعودي لاستكمال إجراءات الاعلان عن موعد انعقاد المؤتمر، وربط ذلك بمنح الاولوية لمعركة الردع العسكري، فإن الامر في الواقع لا ينفصل عن طبيعة المرحلة التي يعيشها اليمن، فتصاعد التهديد الحوثي، وما يرتبط به من تهديد للدولة والمواطن والممرات البحرية والأمن الاقليمي، جعل استعادة زمام المبادرة والقدرة على الردع اولوية لا تحتمل التأجيل، ومن الطبيعي أن تتقدم الحسابات العسكرية والأمنية عندما يصبح الخطر اكثر الحاحاً.
إن اولوية الردع لا تعني أن الحوار الجنوبي يفقد اهميته، كما أن تباطؤ التحضيرات، إن صح ذلك، لا يعني بالضرورة التخلي عنه. فقد يكون الامر اعادة ترتيب مؤقتة للاولويات، او انتظاراً لتهيئة ظروف سياسية افضل تضمن أن يكون المؤتمر مدخلاً الى تفاهمات حقيقية، لا مجرد لقاء ينتهي ببيان وتوصيات.
فالجنوب يضم قوى ومكونات متعددة، تختلف في رؤيتها لشكل الدولة ومستقبل الجنوب وطبيعة العلاقة مع بقية اليمن، وبعضها خرج من سنوات طويلة من الصراع والخصومة. ولذلك فإن نجاح الحوار لا يتوقف على عقد المؤتمر بقدر ما يتوقف على القدرة على اعداده سياسياً، وطرح اسئلة واضحة يمكن أن تتحول الإجابة عنها الى نقاط اتفاق قابلة للبناء عليها.
ومن هنا فإن الضامن الحقيقي لانعقاد المؤتمر لا يتعلق بمجرد تحديد موعده، وإنما بمدى قدرة الميسري على بناء ارضية سياسية تجمع المختلفين حول قواسم مشتركة، وتمنح الحوار فرصة لإنتاج نتائج تتجاوز البيانات الى تفاهمات قابلة للحياة، في ظل مناخ سياسي اكثر صفاءً، بعيداً عن الضغوط الأمنية والعسكرية والسياسية التي تزيد من تعقيد المشهد اليمني اجمالاً.
وفي المقابل، فإن تأجيل معالجة الخلاف الجنوبي الى ما بعد انتهاء الحرب مع الحوثيين قد يكون خطأً سياسياً كبيراً؛ فكلما طال الفراغ السياسي، تزداد فرص ترسيخ موازين امر واقع جديدة، وتصبح اي تسوية لاحقة اكثر صعوبة، كما يصبح الوصول الى تفاهم جنوبي جامع وتسوية سياسية مستقرة اكثر تعقيداً.
وعليه لا ينبغي أن يصبح الردع العسكري بديلاً عن السياسة، ولا أن يتحول الحوار الى ذريعة لتعطيل مواجهة الخطر الحوثي. فاليمن يحتاج الى المسارين معاً، ولكن بوظيفتين مختلفتين: الردع لمنع فرض الأمر الواقع بالقوة، والحوار لمعالجة ما تعجز القوة عن حسمه.
لقد اثبت الحوثيون أن مشروعهم المسلح يمثل تهديداً يتجاوز حدود الخلاف السياسي الداخلي، ولذلك فإن مواجهتهم بالردع العسكري لا تتناقض مع فتح المجال امام التسوية السياسية بين القوى اليمنية الاخرى.
المعادلة إذن ليست: الردع ام الحوار.
المعادلة الصحيحة هي: ردع يحمي الدولة من السلاح، وحوار يحمي مستقبلها من صراعات جديدة.
ولهذا فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يكون في انتصار مسار على آخر، بل في أن يعمل الردع والحوار معاً؛ فالأول يمنح السياسة مساحة للحركة، والثاني يمنح الانتصار العسكري معنى سياسياً واستقراراً مستداماً.