اللاجئ الذي بنى العالم ثم طُرد منه!

الأحد - 21 يونيو 2026 - 11:11 م


توفيق الحميدي
ارشيف الكاتب

في اليوم العالمي للاجئ، لا يكفي أن نتحدث عن الحماية والمساعدات والمواثيق. ينبغي أن نطرح سؤالاً أعمق: كم من الحضارات التي تحتفل اليوم بإنسانيتها بُنيت أصلاً على أكتاف لاجئين ومطرودين ومنفيين؟


في عام ألف وستمائة وعشرين، رست سفينة هزيلة تُدعى “ميفلاور” على شاطئ لم يكن يعرفه أحد ممن كانوا على متنها. كان الركاب يرتجفون، لا من برد المحيط وحده، بل من رعب المجهول وثقل ما تركوه خلفهم.


كانوا يفرّون من اضطهاد ديني في إنجلترا. ولو عُرضت عليهم أوراق طلب لجوء وفق الميثاق الأوروبي الجديد، أو وقفوا أمام سياسة “أمريكا أولاً”، لرُدّت طلباتهم غالباً، وأُعيدوا من حيث أتوا. غير أن أحداً لم يفعل، فأسّسوا أمة.


هذه المفارقة هي قلب المسألة: كيف أن الحضارة التي صنعها اللاجئون تحوّلت إلى حضارة تطارد اللاجئين؟ وكيف أن العالم الذي وُلد من الهجرة والفرار من الاضطهاد صار يشيّد الجدران ويبرم المواثيق لإغلاق الأبواب التي خرج منها إلى التاريخ؟


لو سحبنا من التاريخ الأمريكي كل إسهام قدّمه لاجئ أو مهاجر مضطر، لما بقي سوى أرض. لا مدن، ولا سكك حديد، ولا جامعات، ولا مختبرات، ولا سينما، ولا حتى قنبلة نووية.


فالعقول التي أسهمت في صناعة القرن العشرين كانت، في جزء كبير منها، عقولاً هاربة من النازية والفاشية والحروب والاضطهاد. وقف هؤلاء يوماً أمام مكاتب الهجرة بحقائب خفيفة وقلوب ثقيلة، ولو قال لهم موظف واحد: “الطلب مرفوض”، لتغيّر مسار التاريخ.


الأيرلنديون جاؤوا في القرن التاسع عشر هرباً من مجاعة حوّلت أجسادهم إلى ظلال، فحفروا قنوات أمريكا ومدّوا سككها الحديدية. واليهود الهاربون من أوروبا حملوا أدمغتهم المتوهجة إلى الجامعات والسينما والمختبرات.


حتى سيليكون فالي، الذي يدير اليوم جزءاً كبيراً من عقل البشرية، ليس سوى مشروع هجرة ممتد. فبعض أبرز رموزه جاءوا من عائلات مهاجرة أو لاجئة، حملت معها خوفها القديم وأحلامها الجديدة، فصنعت للعالم لغة رقمية لم تكن لتولد لو أُغلقت الأبواب مبكراً.


غير أن التاريخ غالباً ما يحتفي بما أنجزه اللاجئون وينسى ما دفعوه من أثمان. فذلك اللاجئ الذي بنى المدن، وأسّس الشركات، وفتح المختبرات، لم يصل إلى وطنه الجديد بطلاً منتصراً، بل إنساناً مثقلاً بالفقد.


كان يحمل في قلبه حنيناً لا يهدأ إلى بيت تركه خلفه، وإلى لغة أصبحت بعيدة، وإلى وجوه لا يعرف إن كان سيراها مرة أخرى. كثيرون عاشوا سنوات طويلة وهم يحاولون جمع شتات عائلاتهم التي فرقتها الحروب والحدود.


وبعضهم فقد أبناءً أو آباءً أو أمهات في الطريق، فيما حمل آخرون ندوباً نفسية ظلت ترافقهم طوال حياتهم. ولم يكن عليهم مواجهة الغربة وحدها، بل أيضاً نظرات الريبة ووصمات التمييز وخطابات الكراهية التي تذكرهم كل يوم بأنهم “غرباء” مهما اجتهدوا في الاندماج.


وليس ذلك من قصص الماضي وحدها. فالسوريون والقادمون من بلدان الربيع العربي يعيدون كتابة الحكاية نفسها في زماننا. وصلوا إلى أوروبا هاربين من الحرب والقمع والانهيار، لكنهم لم يصلوا فارغي الأيدي كما يتخيل الخطاب الشعبوي.


فقد حملوا معهم خبراتهم وأحلامهم وإصرارهم على البدء من جديد. وبعد سنوات قليلة، أصبح كثير منهم جزءاً من الجامعات والمستشفيات والمصانع والشركات والأسواق؛ يتحولون من أرقام في ملفات اللجوء إلى أفراد يشاركون في صناعة مستقبل البلد الذي استقبلهم.


وأوروبا نفسها، التي تُبرم اليوم مواثيق لإبعاد اللاجئين، مدينة في نهضتها لمن فرّوا إليها. بعد سقوط القسطنطينية، حمل العلماء البيزنطيون المخطوطات اليونانية إلى إيطاليا، فأشعلوا نار النهضة. وحمل المطرودون من الحروب الدينية أسرار الصناعة والحرف إلى مدن أوروبا. كانوا في عيون معاصريهم أعباء، لكن الزمن كشف أنهم كانوا هبات.


غير أن التاريخ لا يروي فقط كيف بنى اللاجئون الحضارات، بل كيف نسيت الحضارات من بناها. فحين يصل الإنسان ويستقر ويجذّر نفسه في الأرض الجديدة، كثيراً ما يمد يده خلفه ويسحب السلم الذي صعد به.


لا يفعل ذلك دائماً من كراهية، بل من خوف؛ خوف قديم يتحول مع الزمن إلى رغبة في إثبات الانتماء ونفي الشبهة عن الذات. هكذا تدور الدائرة: في كل مرة يُنسي الوصول فعل الوصول، وتتحول ذاكرة اللجوء إلى إنكار للاجئ الجديد.


وعندما يتحول هذا النسيان من شعور نفسي إلى سياسة، يبدأ اللاجئ في فقدان صورته القديمة. لم يعد ذلك الإنسان الباحث عن النجاة، بل صار ملفاً إدارياً، ورقماً في قاعدة بيانات، وخطراً أمنياً قابلاً للاحتواء.


في تجربة ترامب، ظهر هذا التحول بلغة الجدران والشعارات. فـ”أمريكا أولاً” ليست سياسة هجرة فقط، بل سؤال خطير: أمريكا من؟ من يملك أمة صنعها القادمون من كل الجهات؟


ومن يحق له أن يغلق باباً لم يبنه وحده؟ الجدار على الحدود المكسيكية ليس هندسة أمنية فحسب، بل رمز لحضارة قررت أن تخاف من أصلها.


أما أوروبا فقد عبّرت عن التحول نفسه بلغة أكثر هدوءاً وأكثر خطورة: لغة القانون. الميثاق الأوروبي الجديد للجوء والهجرة يقدّم نفسه بوصفه إدارة عقلانية للحدود، لكنه يكشف في العمق عن انتقال اللجوء من معنى الحماية إلى منطق الفرز والردع والتسعير.


فحين تستطيع دولة أن تدفع مالاً بدل استقبال اللاجئين، يتحول الإنسان إلى وحدة مالية قابلة للاستبدال. وحين يُقال للاجئ إن هناك “دولة ثالثة آمنة”، فالمعنى الإنساني البسيط هو: أنت لاجئ، لكنك لست لاجئنا.


وما يزيد المفارقة قسوة أن معظم اللاجئين لم يختاروا اللجوء أصلاً. فالهجرة القسرية ليست مغامرة طوعية ولا رحلة بحث عن رفاهية أكبر، بل هي في جوهرها فعل نجاة.


الإنسان لا يغادر وطنه لأنه توقف عن حبه، بل لأنه أصبح عاجزاً عن العيش فيه بأمان وكرامة. فاللاجئ، في النهاية، ليس شخصاً يبحث عن وطن جديد بقدر ما هو إنسان فقد القدرة على البقاء في وطنه القديم.


ثمة صورة تلخص كل هذا: رجل يطرق باباً كبيراً، وفي الداخل يجلس أحفاد من طرقوا الباب نفسه قبل عقود. غير أنهم نسوا كيف كان الباب مفتوحاً لأجدادهم.


اللاجئ ليس ضيفاً عابراً في التاريخ، بل أحد آباء الحضارة الحديثة. والمأساة أن الحضارة لا تطرده لأنه لم يساهم فيها، بل لأنها نسيت أنه كان أحد شروط قيامها.


اللاجئ لا يطلب من الحضارة اعترافاً ولا شكراً، بل يطلب منها فقط أن تتذكر من أين جاءت. لم يختر اللجوء، لكن الحضارة تختار كيف تستقبله. وفي هذا الاختيار، لا في الميزانيات ولا في نسب النمو، تقرر الحضارة ما إذا كانت لا تزال جديرة بهذا الاسم.