إلى أي مدى الجماعة الحوثية مخترقة؟!

منذ نشأتها، لم يُظهر الغرب وإسرائيل اهتماما بالجماعة الحوثية على غرار الجماعات الراديكالية الأخرى مثل القاعدة وداعش، وذلك لأسباب جيوسياسية عديدة. و بعد الصعود المفاجئ للجماعة وسيطرتها على العاصمة اليمنية صنعاء في 2014، شرعت بعض مراكز الدراسات الغربية في التساؤل عن طبيعة هذه الجماعة وأهدافها وأسباب تصاعد نفوذها غير المتوقع، وعن المدى الذي يمكن أن يمتد إليه نشاطها خارج خارطة الصراع التقليدي في اليمن.
216.73.216.105
ومع مرور الوقت، ازداد الاهتمام العالمي مع رصد محاولات الحوثيين للعب دور إقليمي، حتى وإن كان ذلك الدور محكوماً بأجندة المصالح الإيرانية. حتى أن إيران ذاتها تفاجأت كما يبدو بوجود فرع أكثر طواعية وفعالية وانقياداً مما كانت تتوقع أو تأمل، بل وأكثر جدوى من الفروع الأخرى التي ظل الحرس الثوري الإيراني يعوّل عليها ويستثمر فيها لعقود.
تصاعد الاهتمام العالمي تدريجياً على الصعيد البحثي لدراسة طبيعة الحوثيين، ثم تبعه اهتمام استخباري مكثف ولكن متأخر بعد أن أدرك العالم بأنه لا يعرف الكثير عن هذه الجماعة عندما حانت لحظة حاسمة وقسرية لمواجهة مباشرة معها، بهدف ردع أعمالها التي استهدفت التجارة العالمية في البحر الأحمر. خلال تلك الفترة، بدأ العديد من المهتمين يشككون في وجود استراتيجية دولية واضحة في اليمن تستهدف الحوثيين لإضعافهم، والتعامل مع طموحاتهم بالحزم المطلوب، على غرار ما حدث لحزب الله اللبناني على سبيل المثال، والذي كشفت الأحداث حجم اختراقه غير المتوقع.
لا شك أن الاهتمام الدولي وخصوصا الاسرائيلي باختراق الجماعة الحوثية جاء متأخراً ومفاجئاً، ولكنه جاء حاسما كما يبدو. فثمة جانب غائب في الصورة الكاملة للمشهد، وهو أن الحوثيين، حتى وإن ظلوا غير ذي أهمية بحد ذاتهم خلال سنوات ماضية، فقد استُخدموا كجسر لاختراق إيران وحزب الله.
تم ذلك من خلال عناصر حوثية أو محسوبة عليهم، عملت كـ "أحصنة طروادة" صغيرة في أروقة النظام الإيراني أو داخل صفوف حزب الله. وهو ما تؤكده المعلومات القليلة جداً التي تسربت إعلاميا، حول ورود اسم قيادي حوثي ساهم في إدخال أكبر جاسوسة إسرائيلية إلى عمق دائرة صناعة القرار في طهران بعد أن تزوجها في صنعاء.
بالإضافة إلى الكشف عن معلومات حول ارتباط وثيق للغاية بين أكبر قيادي عسكري في حزب الله، يُعتقد الآن أنه القائد الفعلي للحزب، وشخصية نسائية "لييرالية" محسوبة على الحوثيين تتمتع بنفوذ وحصانة غير مفهومة في صنعاء وبيروت على حد سواء.
وفي هذا السياق، يبدو مؤكداً أن عدوى الاختراق الأمني، التي طالت الجهاز المركزي الأمني للنظام الإيراني وحزب الله وبقية مكونات هذا المحور، قد انتقلت بالتبعية إلى العمق الحوثي، بحكم الارتباط العضوي بين هذه المجموعات.
يضاف إلى ذلك التجنيد الفردي المبكر لعناصر حوثية أو مقربة منهم بغرض اختراق إيران وحزب الله من خلالها، وهي أدوات استخباراتية يمكن إعادة تفعيلها بسهولة ليتحول دورها إلى اختراق عميق للبنية الأمنية والعسكرية للحوثيين. كما أن العوامل التي سهلت اختراق حزب الله، والمتمثلة في تمدده خارج حاضنته ومشروعه الأصلي إلى سوريا والعراق وساحات الصراع الإقليمي الأخرى، وجعلته عرضة للاختراق، هي ذاتها التي أسهمت في وصول عدوى الاختراق الأمني إلى الحوثيين.
بل إن بيئة الحوثيين تبدو أكثر قابلية للاختراق من حزب الله وحتى النظام الإيراني نفسه، وذلك بالنظر إلى أن حزب الله يتمتع بقدر أكبر من التماسك والانسجام الظاهري على الصعيدين الطائفي والإثني. في المقابل، يفتقر الحوثيون إلى هذا التماسك نظراً للتباينات المذهبية داخل اليمن، وانتشار الفقر المدقع، وانقطاع الرواتب، بالإضافة إلى ممارستهم لسياسات أكثر عنفاً تجاه الخصوم وحتى الحلفاء، واعتمادهم نهجاً قاسياً للإفقار. كل هذه العوامل مجتمعة تجعل بيئة الحوثيين أرضاً خصبة للاختراقات الأمنية.
وأخيرا يمثل استهداف حكومة الحوثيين غير المعترف بها، بقضها وقضيضها، اختراقا هائلا، حتى وإن ظل الجسم الحقيقي الموازي الذي يدير الجماعة فعليا بعيدا عن دائرة الاستهداف، غير أن حجم هذه العملية تأكيد على وجود رغبة إسرائيلية جامحة لتعويض الفقر في بنك الأهداف من خلال استخدام متسارع للتكنولوجيا الفائقة واستغلال عوامل الضعف الحوثي الداخلية.