بلومبرغ: لقاء مودي وشي يعكس تحولاً تكتيكيًا في العلاقات وليس شراكة استراتيجية

في تحول لافت، تشير زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى الصين لحضور قمة منظمة شنغهاي للتعاون إلى بداية ذوبان حذر في العلاقات مع بكين، بعد سنوات من التوترات على خلفية الاشتباكات الحدودية في جبال الهيمالايا.
216.73.216.105
وبرغم الأجواء الإيجابية، ترى نيودلهي أن إعادة الضبط هذه تكتيكية لا استراتيجية، في ظل رغبة الطرفين في إدارة التوترات والبحث عن مكاسب اقتصادية سريعة، دون تغييرات جذرية في ميزان القوى أو طبيعة التنافس.
العوامل الدافعة: تهديد الرسوم الأميركية وتباطؤ الاقتصاد العالمي
تأتي هذه المحاولة لإعادة التقارب في سياق الضغوط الاقتصادية العالمية، ولا سيما الرسوم الجمركية الأميركية على الهند بنسبة 50%، والتباطؤ المحلي في الصين، تسعى بكين ونيودلهي إلى تأمين استقرار استراتيجي نسبي في وجه هذه التحديات، مع رغبة صينية في تجنب عزلة إقليمية، وهندية في تنويع الشراكات دون التخلي عن علاقتها مع الغرب.
الهند: علاقات براغماتية بلا التزامات طويلة الأمد
ترى نيودلهي أن تحسين العلاقات مع بكين يجب أن يتم دون المساس بتحالفاتها الاستراتيجية، خصوصاً مع الولايات المتحدة ودول "الرباعية" (QUAD). تسعى إلى الاستفادة من الخبرات الصناعية والاستثمار الصيني في مجالات مثل التكنولوجيا والبطاريات والطاقة المتجددة، لكن بشروط تضمن حماية المصالح الوطنية وتعزيز الإنتاج المحلي.
العجز التجاري مع الصين: نقطة ضعف هيكلية
رغم القيود التي فرضتها الهند منذ 2020 على الاستثمارات الصينية، إلا أن العجز التجاري تضخم ليبلغ نحو 99 مليار دولار في 2024/2025. يعود ذلك إلى الاعتماد على واردات إلكترونية، ومكونات صناعية، وأسمدة من الصين، ما يبرز حاجة نيودلهي إلى موازنة هذه الفجوة من دون تضحية باستقرار سلاسل التوريد.
مؤشرات على إعادة التواصل: رحلات مباشرة وتأشيرات
من المتوقع أن تسفر زيارة مودي عن:
-
استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين.
-
تخفيف قيود التأشيرات للمديرين التنفيذيين الصينيين.
-
محادثات حول التجارة البرية عبر الحدود.
هذه الخطوات ستفيد شركات صينية مثل "فيفو" و"شاومي" و"أوبو"، التي لديها حضور كبير في السوق الهندية. كما بدأت نيودلهي فعلياً في تسريع إصدار التأشيرات للموظفين الفنيين ضمن برامجها التصنيعية المدعومة.
بكين: مصلحة اقتصادية وانتهازية دبلوماسية
ترى الصين في هذا الانفتاح فرصة لتعويض تراجع الطلب المحلي، ومواجهة الضغط الأميركي عبر توثيق العلاقات مع الهند، خاصةً مع النمو المستمر في استهلاك الطاقة والتكنولوجيا فيها.
كما تخشى بكين من نقل سلاسل التوريد إلى الهند، خاصة بعد توسع إنتاج شركة "أبل" لهواتف آيفون هناك. وتعتبر أن فتح السوق الهندية لمنتجاتها التقنية والطاقة المتجددة ضرورة استراتيجية.
لا تنازلات استراتيجية: الحدود والنفوذ الجيوسياسي لا تزال خلافية
رغم تهدئة التوترات، ما تزال العلاقة معقدة بسبب:
-
النزاع الحدودي غير المحسوم في جبال الهيمالايا.
-
التوسع العسكري الصيني قرب كشمير ضمن الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.
-
التحفظ الهندي من النفوذ الصيني في ميانمار وأفغانستان.
-
القلق من التعاون العسكري بين بكين وإسلام آباد.
-
الخلاف حول مستقبل التبت وخلافة الدالاي لاما.
كل هذه القضايا تؤكد أن التنافس وانعدام الثقة سيبقيان راسخين، حتى مع استئناف التعاون في ملفات محدودة.
توازن هش بين التعاون والمنافسة
تشكل زيارة مودي نقطة تحول جزئية في العلاقات بين القوتين الآسيويتين، لكنها ليست بداية لتحالف استراتيجي. في ظل تعقيد العلاقات الدولية، تسعى كل من الصين والهند إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل دون تقديم تنازلات جوهرية.
بالنسبة للهند، تكمن الأولوية في تحقيق الاكتفاء الصناعي والتكنولوجي مع تقليل الاعتماد على الصين. أما بكين، فترى في انفتاح نيودلهي فرصة لتخفيف العزلة الدولية، خاصة مع تصاعد التوتر بينها وبين الولايات المتحدة.