ما الذي يعنيه استهداف إسرائيل لـ«حكومة الحوثي».. أربعة أسئلة؟

تُعَدّ الضربة الإسرائيلية المباغتة التي استهدفت حكومة الحوثيين يوم الخميس 28 أغسطس حدثاً مفصلياً.. لكن هل تُعَدّ هذه الضربة اختراقاً إسرائيلياً استثنائياً؟ ولماذا كان المجتمعون صيداً سهلاً؟ وما هي تبعاته على الجماعة؟ وأخيراً: كيف سيكون الرد الحوثي؟
في هذا السرد الموجز سوف نحاول مناقشة هذه التساؤلات للوصول إلى إحاطة أوسع بالحدث..
أولاً: هل الضربة اختراق استثنائي وإنجاز أمني إسرائيلي؟
216.73.216.105
اختارت إسرائيل هدفاً سهلاً لكنه ذو صدى معنوي كبير في اتجاهين: سواء للداخل الإسرائيلي والرأي العام الخارجي المؤيد لها، أو فيما يخص وقعه على الحوثيين. وقد أحدثت الضربة ارتباكاً أكثر من المتوقع في صفوف الجماعة وسلطتها بالذات، خاصة خلال الأيام الثلاثة التالية للضربة، وكشفت وهن الترتيبات الخاصة بحالات الطوارئ. لكن استهداف حكومة الجماعة وقتل نصفها وإصابة النصف الآخر كان أمراً متاحاً وممكناً، لأن الأشخاص أنفسهم يجتمعون بشكل دائم عدة مرات أسبوعياً في أماكن بعضها معروف، ولا يشكّل معظم المستهدَفين قيمة أو وزناً في منظومة الجماعة؛ ولذلك لم يتوقعوا استهدافهم.
وبناءً عليه، فهذا الاستهداف ليس إنجازاً ذا قيمة استخباراتية عالية لإسرائيل أو علامة على تمكنها من تجاوز شفرة الحوثيين، لأن الضرر لم يُصِب البنية العميقة للجماعة وإنما أصاب (واجهة) الجانب الإداري فيها. وبالتالي تعرّض الحوثيون لضربة قاسية لكنها ليست ضربة قاصمة. ويظل الاختبار الفعلي في القدرة على تحقيق اختراق نحو العسكريين، وهو ما لم تنجح فيه إسرائيل مثلاً في آخر محاولتين لاستهداف رئيس أركان قوات الجماعة "الغماري"، أو غيره من القيادات العليا والمؤثرة، أو على الأقل لم تستطع الجزم بنتائج استهدافه. وعلى كل حال يمكن وصف الضربة بأنها تعكس "الجرأة" الإسرائيلية أكثر مما تعكس "التفوق الاستخباري".
وهناك جانب من العملية يمكن القول إنه حالة من عدم التسامح الإسرائيلي مع أي هجمات حوثية جديدة، وأن هناك ثمناً قاسياً سيكون على الحوثي الاستعداد لدفعه. وليس مهماً نوعية الثمن، المهم إشعال حرائق هائلة كما تفعل منذ عام في ملاحقة أهداف ذات دخان عريض وقاتم. ولعل المغزى الدعائي والنفسي أحد محفزات إسرائيل نحو عملية كهذه.
ثانياً: لماذا لم يتوقع المستهدَفون احتمالية قصفهم ولم تُلزِمهم الجماعة بإجراءاتها الاحترازية مثل بقية قطاعاتها؟
من المعلوم أن جماعة الحوثي لديها بروتوكول أمني صارم لقادتها الرئيسيين سواء في المقرات أو الحركة أو الاتصالات أو أسلوب العمل. ويسري ذلك بشكل ملزم على كافة قيادات قطاعاتها المختلفة (عسكري وأمني وتعبوي ومالي). لكنها لم تكن تعير هذه الحكومة أي اعتبار من ناحية سلامتها – رغم عناية عبدالملك مباشرة بها وبتوليفتها لتحقيق التطهير الجذري والتوازن الداخلي، حتى الضعاف فيها كان وجودهم لغاية ما –. وكانوا يتحركون جماعات وفرادى بحماية عادية وأماكن معروفة، ويحضرون فعاليات عامة يومية! وحتى هؤلاء الأشخاص لم يتخذوا إجراءات ذاتية. وهذا له عدة أسباب:
الجماعة تعتبرهم بالأساس "واجهة" لما تسميه في هياكلها الداخلية "القطاع الإداري" – عدا أربعة تقريباً – ويدار الأغلب عبر رجال ظل، هم مسؤولو الملفات في الجماعة ومكتب عبدالملك. ولذلك لم يكن وزيرا الداخلية والدفاع يحضُران الاجتماعات المقررة إلا في حالات نادرة. وإضافةً إليهما فهناك أيضاً اثنان آخران من الوزراء مهمان فقط، هما محمد المداني وحسن الصعدي المقرَّبان من زعيم الجماعة (لم يتأكد مقتلهما حتى كتابة المقالة). وإدخالهم إلى الحكومة كان بهدف تأهيلهم لتولي رئاستها مستقبلاً. وبالتأكيد هناك أشخاص تنظيميون آخرون في الحكومة أتت بهم الجماعة لكن يمكن تعويضهم رغم الخسارة.
الأشخاص أنفسهم يعرفون أنهم غير مهمين، خاصة رئيس حكومة الجماعة أحمد الرهوي الذي كان دوره شكلياً. لذلك كان أغلبهم مطمئنين لعدم وجود ما يبرر قتلهم جميعاً. وإذا أرادت إسرائيل قتل المهمين منهم فهي تعرف كيف تصل إليهم.
إسرائيل لعبت مع الحوثي ذات اللعبة التي سبق أن اختبرتها مع حزب الله وإيران؛ مناورات محدودة وقواعد اشتباك متوهَّمة، ثم في لحظة معينة تخرج عن هذه القواعد وتضرب ضربتها. ولذلك جاء هذا الاستهداف بعد سنة كاملة من الضربات الإسرائيلية على موانئ ومطارات ومحطات وأهداف عادية، مما خلق شعوراً لدى الجماعة بأن إسرائيل تركز على البنى التحتية للموارد وكذلك العسكريين، وهؤلاء يتخذون ترتيبات احترازية.
أما العُقدة الأهم – باعتقادي – فهي أن جماعة الحوثي خلال آخر شهرين كانت منشغلة بالداخل وقمع من لا يؤيد الجماعة حتى لو لم ينشط ضدها. وصار إطلاق الصواريخ إلى إسرائيل مناطاً بفريق صغير مرتبط بالمحور، بينما جسد الجماعة – القيادة العليا والجهاز الأمني والتعبوي كله – منشغل بالداخل. تم اعتقال المئات من أعضاء وكوادر الإصلاح مطلع يوليو، وفي آخره بدأت بالمؤتمر علناً ثم القبائل وحمير الأحمر، فضلاً عن الإعداد المتسارع لشن عملية عسكرية ضد قوات الحكومة الشرعية اليمنية في مأرب والمخا خلال الأسابيع القادمة. وبعد الضربة ليس من المؤكد انصرافها عن هذا الأمر. لذلك لم تكن إسرائيل هي الخطر الأكبر في تفكير دماغ الجماعة. وصار قياديو الجماعة، حتى العسكريون، يتحركون بشكل أكبر مما سبق، وانقادت الجماعة وراء هوسها بمن تسميهم "الخونة والعملاء والمنافقين والمرتزقة" (ومجموع هذه الأوصاف عند الحوثي = الشعب اليمني كله ما عدا الحوثة العقائديين). وهذا ليس كلاماً دعائياً، وإنما توصيف حالة بشكل مهني صرف.
ثالثاً: ما هي تبعات الضربة على الجماعة؟
لا شك أن هذه الضربة ستجعل الجماعة كلها في حالة قلق وعدم استقرار، وستضطرهم لتعميم إجراءات أمنية على كل القطاعات. وهذا سوف يشكّل عبئاً كبيراً ويضاعف عزلة الجماعة ويباعد المسافات بين كُتلها الأساسية ومؤسساتها. وهذا الأمر – بقدر ما يوفر حماية من الاستهدافات الجماعية ويحول دون الأهداف السهلة لإسرائيل – بقدر ما يوفر أيضاً فرصاً لفهم أنماط الجماعة ويتيح مفاصل لاختراقها خاصة تقنياً.
وربما تكون عملية تعويضهم غير يسيرة، وقد تعيد العملية فتح باب التوازنات والكتل داخل الجماعة بشكل يتسبب في إعاقة دائمة في القطاع الذي يعتقد عبدالملك الحوثي بأنه نقطة ضعف الجماعة.
بالإضافة إلى ذلك سيرتفع منسوب عدوانية الجماعة ضد المواطنين في مناطق سيطرتها، وتندفع لإرهاق المجتمع بالدعاية والترهيب والاتهامات بالعمالة والتجسس، وتضيف آلافاً إلى السجون بالاشتباه (منذ بداية العام اعتقلت الجماعة آلاف المواطنين الأبرياء، وسجونها ممتلئة في كل المحافظات). رغم أن إسرائيل تعتمد على تفوقها التقني أكثر من المصادر البشرية، خاصة فيما سبق من الضربات كونها تصيب أهدافاً عامة معروفة.
وهذه الإجراءات بالتأكيد سوف تشكّل ضغطاً أكبر على الجماعة خاصة مالياً ولوجستياً، في وقت تعاني فيه من شُحّة غير مسبوقة في الموارد. ونفس الحال في بقية المحور المثخن بالجراح والمنشغل بترميم أذرعه ومركزه.
رابعاً: كيف سيكون الرد الحوثي؟
هذه الضربة لن توقف الحوثي بقدر ما تعزز حافز الصراع الطويل حتى يحصل على قدرات يستطيع من خلالها إحداث ضرر في المقابل. ولكن الوقت الذي تحتاج إليه الجماعة لتطوير قدرات أحدث سيكون هو الوقت الذي قد تطور فيه إسرائيل أدواتها للدفاع، خاصة أمام الصواريخ الانشطارية، التي تُعَدّ أحدث تكنولوجيا إيرانية منقولة إلى الجماعة وتسببت بقلق لإسرائيل. وهذه الضربة غير المتوقعة هي إحدى نتائج ذلك القلق في تل أبيب.
وفيما يخص الرد على هذه الضربة بذاتها، فالمحتمل أن يجمع الحوثي عدداً من الصواريخ والمسيَّرات ويطلقها بشكل متزامن وربما مع صاروخ انشطاري – إن نجح في الإطلاق – لمحاولة إحداث ضرر مادي يتجاوز منظومات الاعتراض. أو أن يهاجم قاعدة قريبة. وأيضاً سوف يواصل نمطه المعتاد في إطلاق صواريخ بشكل شبه أسبوعي لإيقاظ الإسرائيليين نحو الملاجئ بشكل متكرر، ليذكّرهم بأنه قادر على إبقاء صفارات الإنذار تعمل وإيذائهم.
الخلاصة: أن هذه المواجهة – ومن خلال ضربة يوم الخميس الماضي – ربما تكون قد أخذت أول خطوة جادة في مسار منفصل من الصراع قد لا يكون مرتبطاً بما ستؤول إليه الأمور في غزة.
*المقال نَشره الكاتب على صفحته في فيسبوك.