سر تفوق الصين في البناء وتراجع بريطانيا وأمريكا

لطالما كانت المملكة المتحدة تواجه صعوبة في إتمام المشاريع الكبرى بشكل سريع وفعّال. على سبيل المثال، ورقة مخططات المباني في لندن قد وصلت إلى آلاف الصفحات، بينما كانت في السابق أكثر اختصارًا. وكذلك، مشاريع مثل معبر نهر التايمز السفلية وخط السكة الحديدية فائق السرعة (HS2) لم تقتصر على تأخيرات ضخمة وتجاوزات في الميزانية فحسب، بل أيضًا أظهرت تأثيرات البيروقراطية على التنفيذ، وهو ما يجعل المملكة المتحدة تواجه صعوبة في تحقيق النمو المنشود.
موقع محطة HS2 في لندن: نموذج للفوضى البيروقراطية
216.73.216.105
قبل عامين، زرت موقع محطة HS2 في منطقة يوستون بلندن. كان من الواضح أن المشروع العملاق يعاني من مشاكل جمة. الفوضى الظاهرة في الموقع كانت مقلقة، مما أوقف تقدم المشروع رغم كونه مشروعًا استراتيجيًا للبلاد، هذا النموذج من التأخير يمثل قمة التحديات التي يواجهها قطاع البناء في المملكة المتحدة.
الصين: طفرة غير مسبوقة في البناء والتنمية
على النقيض من ذلك، شهدت الصين تطورًا غير عادي في مجال البناء والبنية التحتية. بدأت الصين بإنجازات ضخمة منذ التسعينات. ففي عام 1993، كانت شنغهاي عبارة عن مدينة ضيقة وشوارعها مكتظة بالدراجات الهوائية. ومع مرور الوقت، تحولت المدينة إلى واحدة من أكثر المدن تقدمًا في العالم، مع مجموعة من ناطحات السحاب الحديثة. هذا التحول الكبير يعكس النجاح الكبير الذي حققته الصين في بناء مشاريع ضخمة بسرعة غير مسبوقة.
إنجازات هندسية مذهلة: من جسر هواجيانغ إلى السكك الحديدية عالية السرعة
تشير التقارير إلى أن الصين تمتلك أكبر شبكة للسكك الحديدية عالية السرعة في العالم، وهي تفوق كافة الشبكات الأخرى في حجمها، كما أن جسر هواجيانغ كانيون المعلق، الذي يعد الأعلى في العالم بارتفاع 625 مترًا، سيكون واحدًا من المشاريع المدهشة التي ستتم افتتاحها قريبًا. إلى جانب ذلك، تم إنشاء العديد من محطات الطاقة العملاقة في الصين طوال ربع قرن، وهو ما يعادل إجمالي إمدادات المملكة المتحدة.
الصين في الصدارة: تفوق في قطاع التصنيع والتقنية
لم تقتصر إنجازات الصين على قطاع البناء فقط، بل تجاوزت ذلك إلى مجال التصنيع والتقنية. فمنذ بداية العقد الماضي، بدأت الشركات الصينية في التفوق على الشركات الغربية في صناعة السيارات الكهربائية، وهو تحول يوضح قدرتها على الابتكار والنمو السريع. بالإضافة إلى ذلك، حققت الصين تقدمًا كبيرًا في قطاع الطاقة المتجددة.
الفرق بين الصين والمملكة المتحدة: النظام الهندسي مقابل البيروقراطية
يكمن الفرق الأساسي بين الصين والمملكة المتحدة في طريقة إدارة المشاريع. في حين أن الصين تعتمد على "النظام الهندسي" في تنفيذ المشاريع الضخمة بسرعة وفعالية، فإن المملكة المتحدة تعاني من مشاكل البيروقراطية، مما يعيق تقدم المشاريع الكبرى. الممارسات البيروقراطية في المملكة المتحدة تتسبب في تأخير المشاريع وزيادة التكاليف.
هل يجب أن تتبع المملكة المتحدة نموذج الصين؟
طرح هذا السؤال لا يعني بالضرورة الدعوة لتبني نظام حكم مشابه للنظام الصيني. فالنظام الصيني يعتمد على سيطرة الدولة بشكل كبير، وهو أمر يختلف تمامًا عن المبادئ الديمقراطية في الغرب. ولكن، يمكن للولايات المتحدة والمملكة المتحدة الاستفادة من بعض تجارب الصين في تحسين سرعة تنفيذ المشاريع مع الحفاظ على حقوق الأفراد.
التحديات المستقبلية: هل يمكن للمملكة المتحدة اللحاق بالصين؟
إذا أرادت المملكة المتحدة تحقيق النجاح في المشاريع الكبرى، فعليها أن تتبنى أساليب جديدة للتنفيذ والتخطيط. لابد من تحسين مرونة النظام الحكومي وتقليص البيروقراطية التي تعيق المشاريع. من خلال تحسين هذه العوامل، يمكن لبريطانيا أن تتفوق على التحديات التي تواجهها، حتى ولو لم تتمكن من تقليد النموذج الصيني بشكل كامل.
أهمية التحول في النظام لتنفيذ المشاريع الكبرى
إن التحديات التي تواجه المملكة المتحدة في قطاع البناء ليست بسبب نقص الإمكانيات، بل بسبب الممارسات البيروقراطية التي تبطئ من تنفيذ المشاريع. بينما الصين أثبتت أنها قادرة على تنفيذ المشاريع الكبرى بسرعة وفعالية، فإن المملكة المتحدة بحاجة إلى إعادة النظر في طريقة إدارة مشروعاتها المستقبلية لتواكب العصر وتحقق النجاح في هذا القطاع.